رسما له.
والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق: إن حد الشذوذ هو مخالفة الحق، فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم أو بعضهم، والجماعة والجملة هم أهل الحق ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد فهو الجماعة وهو الجملة، وقد أسلم أبو بكر وخديجة رضي الله عنهما فقط فكانا هم الجماعة وكان سائر أهل الأرض غيرهما وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشذوذ والفرقة، وهذا الذي قلنا لا خلاف فيه بين العلماء والحق هو الأصل الذي قامت السموات والأرض به قال الله تعالى (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهم إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل) [1] ، فإذا كان الحق هو الأصل فالباطل خروج عنه وشذوذ منه فلما لم يجز أن يكون الحق شذوذا، وليس إلا حق أو باطل صح أن الشذوذ هو الباطل وهذا تقسيم أوله ضروري وبرهان قاطع كاف ولله الحمد.
ويُسأَلُ من قال إن الشذوذ هو مفارقة الواحد للجماعة: ما تقول في خلاف الاثنين للجماعة؟ فإن قال هو شذوذ سُئِل عن خلاف الثلاثة للجماعة ثم يزاد واحدا واحدا هكذا أبدا، فلا بد له من أحد أمرين: إما أن يحد عددا ما بأنه شذوذ وإن ما زاد عليه ليس شذوذا، فيأتي بكلام فاسد لا دليل عليه فيصير شاذا على الحقيقة، أو يتمادى حتى يخرج عن المعقول وعن إجماع الأمة فيصير شاذا على الحقيقة أيضا، ولا بد له من ذلك وبالله تعالى التوفيق، فكل من أداه البرهان من النص أو الإجماع المتيقن إلى قول ما ولم يعرف أحد قبله قال بذلك القول ففرض عليه القول بما أدى إليه البرهان، ومن خالفه فقد خالف الحق، ومن خالف الحق فقد عصى الله تعالى، قال تعالى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) [2] ، ولم يشترط تعالى في ذلك أن يقول به قائل قبل القائل به بل أنكر تعالى ذلك على من قاله، إذ يقول عز وجل حاكيا عن الكفار منكرا عليهم أنهم قالوا (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق) [3]
قال أبو محمد: ومن خالف هذا فقد أنكر على جميع الفقهاء بعدهم لأن المسائل التي تكلم فيها الصحابة من الاعتقاد أو الفتيا فكلها محصور مضبوط معروف عند أهل النقل من ثقات المحدثين وعلمائهم، فكل مسألة لم يرو فيها قول عن صاحب لكن عن تابع فمن بعده، فإن ذلك التابع قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله بلا شك، وكذلك كل مسألة لم يحفظ فيها قول عن صاحب ولا تابع وتكلم فيها الفقهاء بعدهم، فإن ذلك الفقيه قد قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله، ومن ثقف هذا الباب فإنه يجد لأبي حنيفة ومالك والشافعي أزيد من عشرة آلاف مسألة لم يقل فيها أحد قبلهم بما قالوه، فكيف يسوغ للتابعين ثم لمن بعدهم أن يقولوا قولا لم يقله أحد قبلهم ويحرم ذلك على من بعدهم إلى يوم القيامة، فهذا من قائله دعوى بلا برهان وتخرص في الدين وخلاف الإجماع على جواز ذلك لمن ذكرنا والحمد لله رب العالمين كثيرا وصلى الله على محمد خاتم النبيين وحسبنا الله ونعم الوكيل. اهـ [4]
ذكرنا أن الله تبارك وتعالى قد أمرنا بالاعتصام بقرآنه الذي يأمر بالاعتصام بجماعة المسلمين وبعدم التفرق في الدين، وذكرنا أن معنى الجماعة هي اتباع الحق الذي ورد في الكتاب والسنة، وأنه يجب على كل مسلم أن يلتزم جماعة المسلمين الذين يجتمعون على طاعة إمامهم القائم بأحكام الله تعالى وأن من خرج عن هذه الجماعة فقد شذ ومن شذ دخل النار والعياذ بالله.
وهنا مسألة هامة يجب الوقوف عندها طويلا وهي أن بعض من ينتسب إلى العلم في زماننا قد أثار شبهة مفادها أنه إذا لم يكن للناس إمام، فإن اجتماع المسلمين في جماعة للقيام بواجبات الدين والحالة هذه حيث لا إمام للمسلمين ليس بواجب، بل الواجب أن يعتزل المسلم عامة الناس ويهتم المرء بخاصته، وهذا قول في غاية الخطورة وهو يؤدي إلى اصطلام الإسلام وأهله وضياع أحكام الشريعة جملة، وقد استدلوا على قولهم هذا بعدة أدلة من أظهرها وأصحها:
حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في صحيح البخاري ونصه عن حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال صلى الله عليه وسلم (نعم) ، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال صلى الله عليه وسلم (نعم وفيه دخن) ، قلت: وما دخنه؟ قال (قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر) ، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال صلى الله عليه وسلم (نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال صلى الله عليه وسلم (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) ، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم (الزم جماعة المسلمين وإمامهم) ، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال صلى الله عليه وسلم (فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) [5] ، قالوا: قد دل هذا الحديث على أن المؤمن مأمور بالاعتزال حين لا
(1) سورة الحجر، الآية: 85.
(2) سورة البقرة، الآية: 111.
(3) سورة ص، الآية: 7.
(4) راجع الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ج5/ 84
(5) صحيح البخاري، ك: الفتن، باب: كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، ورواه مسلم وابن ماجة والطبراني بألفاظ متقاربة كلهم عن حذيفة رضي الله عنه.