الصفحة 46 من 87

وقال حذيفة رضي الله عنه: كيف أنت إذا سلك القرآن طريقا وسلك الناس طريقا آخر، والغرض إنما هو اتباع القرآن وما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا معنى لقول أحد دون ذلك كثر القائلون به أو قلوا، وهذا باب ينبغي أن يتقى فقد عظم الضلال به وكثر الهالكون فيه ونعوذ بالله العظيم من البلاء، وعن سويد بن غفلة عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له (يا عبد الله بن مسعود) ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال (أتدري أي الناس أفضل؟) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن أفضل الناس أفضلهم عملا إذ فقهوا في دينهم) ، ثم قال: (يا عبد الله بن مسعود) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (هل تدري أي الناس أعلم؟) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (أعلم الناس: أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصرا في العمل وإن كان يزحف على أسته) .اهـ [1]

* وأما ما ورد من ذم الشذوذ عن الجماعة فالمقصود به كما سبق بيانه الخروج عن جماعة الحق المتبعين للقرآن والسنة، وقد يكون هؤلاء مجتمعين على طاعة إمام أو لا يكونوا كذلك، وكيفما كان فالخروج عن الكتاب والسنة شذوذ، وإن حدث هذا من السواد الأعظم والجمهور كما نراه عيانا في زماننا هذا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد سبق الإشارة إلى هذا المعنى في قول ابن القيم رحمه الله.

وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله: الشذوذ في اللغة التي خوطبنا بها هو الخروج عن الجملة وهذه اللفظة في الشريعة موضوعة باتفاق على معنى ما واختلف الناس في ذلك المعنى، فقالت طائفة: الشذوذ هو مفارقة الواحد من العلماء سائرهم وهذا قول قد بينا بطلانه، وذلك أن الواحد إذا خالف الجمهور إلى حق فهو محمود ممدوح والشذوذ مذموم بإجماع فمحال أن يكون المرء محمودا مذموما من وجه واحد في وقت واحد، وممتنع أن يوجب شيء واحد الحمد والذم معا في وقت واحد من وجه واحد وهذا برهان ضروري، وقد خالف جميع الصحابة أبا بكر في حرب أهل الردة فكانوا في حين خلافهم مخطئين كلهم فكان هو وحده المصيب فبطل القول المذكور.

وقال طائفة: الشذوذ هو أن يجمع العلماء على أمر ما ثم يخرج رجل منهم عن ذلك القول الذي جامعهم عليه وهذا قول أبي سليمان وجمهور أصحابنا وهذا المعنى لو وجد فهو نوع من أنواع الشذوذ وليس حدا للشذوذ ولا

(1) راجع الإحكام لابن حزم ج4/ 579 وما بعدها، والحديث الأخير ضعيف السند فقد رواه الطبراني في الأوسط والصغير والحاكم وفيه عقيل بن الجعد قال البخاري عنه: منكر الحديث، وقال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح عدا بكير بن معروف وثقه أحمد وغيره وفيه ضعف، وبالرجوع إلى كتاب العلل ومعرفة الرجال وجدت أن أحمد قال فيه: بكير بن معروف أبو معاذ قاضي نيسابور ما أرى به بأس. انتهى، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن المبارك: ارم به وقال سمعت هشام بن عمار يقول: بكير بن معروف قدم علينا وكان من أهل خراسان وسمعت منه ورأيته ولم نكتب منه شيئا، وقال ابن عدي: بكير بن معروف ليس بكثير الرواية وأرجو أنه لا بأس به وليس حديثه بالمنكر جدا، وقد قال عنه ابن حجر: صدوق فيه لين (راجع: العلل ومعرفة الرجال ج2/ 360، ميزان الإعتدال في نقد الرجال ج2/ 68، تهذيب الكمال ج4/ 254، تقريب التهذيب ج1/ 128)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت