الصفحة 45 من 87

الله واحذر وتعاهد إيمانك. اهـ [1]

وفي كلام جامع مانع في بيان أن المقصود بالجماعة ما وافق الحق قال ابن حزم رحمه الله: فاعلموا رحمكم الله أن من اتبع ما صح برواية الثقات مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اتبع السنة يقينا ولزم الجماعة وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن أتى بعدهم من الأئمة، وأن من اتبع أحدا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتبع السنة ولا الجماعة وأنه كاذب في ادعائه السنة والجماعة، فنحن معشر المتبعين للحديث المعتمدين عليه أهل السنة والجماعة حقا بالبرهان الضروري والحمد لله رب العالمين، - وبعد أن ذكر رحمه الله روايات حديث (من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ... ) الحديث [2] قال رحمه الله: فإن ما ذكر فيه من الجماعة إنما هي بلا شك جماعة الحق ولو لم يكونوا إلا ثلاثة من الناس، وقد أسلمت خديجة رضي الله عنها أم المؤمنين وسائر الناس كفار فكانت على الحق وسائر أهل الأرض على ضلال، ثم أسلم زيد بن حارثة وأبو بكر رضي الله عنهما فكانوا بلا شك على الحق وأهل الأرض على الباطل، وقد نبىء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فكان على الحق وأهل الأرض على الباطل والضلال، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن زيد بن عمر بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده، وذلك لأن زيدا آمن بالله تعالى وأهل الأرض على ضلالة، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء) قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال (النزاع من القبائل) وقال صلى الله عليه وسلم (الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة) [3] ، وقال صلى الله عليه وسلم (إن الساعة لا تقوم إلا على من لا خير فيهم) ، وروى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تقوم الساعة على أحد يقول لا إله إلا الله) وقال الله عز وجل (والله غالب على أمره ولكن أكثر لناس لا يعلمون) وقال تعالى (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون) وقال تعالى (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) وكلام الله تعالى حق وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم حق والحق لا يتعارض، وهذه النصوص التي أوردناها هي في غاية البيان، فالأقل في الدين هم أهل الحق وأكثر الناس على ضلال وعلى جهل.

وهناك برهان كاف قاطع لكل من له أقل فهم في أنه لم يرد قط بالجماعة المذكورة كثرة العدد، لأن النصارى جماعة واليهود جماعة والمجوس وعباد النار جماعة أفترونه أراد هذه الجماعات، حاشا لله من هذا، فإن قيل: إنما أراد جميع المسلمين، قلنا: فإن المنتمين إلى الإسلام فرق فالخوارج جماعة والروافض جماعة والمرجئة جماعة والمعتزلة جماعة أفترونه عليه السلام أراد شيئا من هذه الجماعات حاشا له من ذلك، فإن قالوا: إنما أراد أهل السنة، قلنا: أهل السنة فرق فالحنفية جماعة والمالكية جماعة والشافعية جماعة والحنبلية جماعة وأصحاب الحديث الذين لا يتعدونه جماعة فأي هذه الجماعات أراد، وليس بعضها أولى بصحة الدعوى من بعض، فصح يقينا قطعا كما أن الشمس طالعة من مشرقها أنه عليه السلام لم يرد قط إلا جماعة أهل الحق وهم المتبعون للقرآن ولما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بيانه للقرآن بقوله وفعله، وهذه هي طريق جميع الصحابة رضي الله عنه وخيار التابعين من بعدهم حتى حدث التقليد المهلك.

فإذا لا شك في كل هذا وقد بينا أن أمره عليه السلام بلزوم الجماعة إنما أراد يقينا أهل الحق وإن كانوا أقل من أهل الباطل بلا شك لم يرد كثرة العدد قط ... إلى أن قال: وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى في الأخبار على أصحابه وعلى قرن التابعين ثم على القرن الثالث، فإذا أثنى عليهم فهم الجماعة التي لا ينبغي أن تخالف وكل من خالفهم فهو أهل الباطل والحمد لله رب العالمين

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت حديثا ثم يتلو (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون [4] ، ففي هذا أن الواحد قد يكون عنده من السنن ما ليس عند الجماعة، وإذا كان عنده من السنة ما ليس عند غيره فهو المصيب في فتياه بهذا دون غيره.

قال أبو محمد: وبالعيان ندري أن المسلمين أقل من غيرهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما أنتم في الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود) [5] ، وذكر صلى الله عليه وسلم أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وواحد إلى الجنة [6] .

ثم بالمشاهدة ندري أن الصالحين والعلماء أقل من الطالحين والجهال، وأن هذين الصنفين هم الأكثر والجمهور، وبالمشاهدة ندري أن الزكي من العلماء هم أقل منهم، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: لا يقول أحدكم أنا مع الناس،

(1) شرح السنة للبربهاري/59.

(2) رواه أحمد ابن حبان والحاكم والبيهقي والطبراني والبزار وأبو يعلى.

(3) رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن حبان وابن ماجة والبيهقي والطبراني وأبو يعلى.

(4) رواه البخاري وأحمد وابن ماجة والبيهقي.

(5) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان والبيهقي وأبو يعلى وأبو عوانة.

(6) روى البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وابن حبان والبيهقي وأبو عوانة وابن أبي شيبة والحاكم ولفظه عند البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: ( ... ثم يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول: أخرج بعث النار قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، قالوا: يا رسول الله وأينا ذلك الواحد؟ قال: أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألفا، والذي نفسي بيده إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا فقال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا، فقال: ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت