الصفحة 69 من 87

وكان يوم السبت إلى نائب الشام في المرج فثبتهم وقوى جأشهم وطيب قلوبهم ووعدهم النصر والظفر على الأعداء وتلا قوله تعالى (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور) ، وبات عند العسكر ليلة الأحد ثم عاد إلى دمشق وقد سأله النائب والأمراء أن يركب على البريد إلى مصر يستحث السلطان على المجيء، فساق وراء السلطان وكان السلطان قد وصل إلى الساحل فلم يدركه إلا وقد دخل القاهرة وتفارط الحال، ولكنه استحثهم على تجهيز العساكر إلى الشام إن كان لهم به حاجة وقال لهم فيما قال: إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن، ولم يزل بهم حتى جردت العساكر إلى الشام ثم قال لهم: لو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه واستنصركم أهله وجب عليكم النصر فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعايتكم وأنتم مسؤولون عنهم، وقوى جأشهم وضمن لهم النصر هذه الكرة فخرجوا إلى الشام فلما تواصلت العساكر إلى الشام فرح الناس فرحا شديدا بعد أن كانوا قد يئسوا من أنفسهم وأهليهم وأموالهم. [1] ، فقد أجاز ابن تيمية رحمه الله أن يولي للمسلمين من هو أهل للدفاع عنهم إن تأخر أمير الوقت عن مقاتلة أعداء الله التتار بل همَّ بفعل ذلك، وهذا يقوي ما ذكرناه سابقا ولله الحمد والمنة.

ومن الأدلة الظاهرة الدالة على صحة تأمير جماعة من المسلمين لأمير عليهم يقودهم بمقتضى الكتاب والسنة ما ورد عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) [2] ، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم) ، وقد ورد من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ (إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا أحدكم ذاك أمير أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم) [3] ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ (إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) [4] ، فهذه الأحاديث بمجموع رواياتها تدل دلالة واضحة ظاهرة أنه يجب على ثلاثة فصاعدا انقطع عنهم نظر الإمام بسفر وما شابهه أن يؤمروا عليهم واحدا منهم لتجتمع به كلمتهم وتُعصم به جماعتهم من الخلاف الذي يؤدي غالبا إلى التلاف، فإذا كان هذا في حق ثلاثة مسافرين لزمن قصير مشروعا أفلا يكون في حق غيرهم من العدد الكثير الذي يسكن القرى والأمصار ويحتاجون إلى إقامة كثير من أحكام الشريعة وفرائضها بينهم ومن ينتصف لمظلومهم أولى وأحرى.

ولذلك وبعد أن أورد أبو المحاسن يوسف بن موسى في كتابه معتصر المختصر حديثي أبي موسى وعمر رضي الله عنهما السابقين قال رحمه الله: في هذين الحديثين أن الأمير المؤمر من جهة الناس كالأمراء من جهة ولي الأمر في

(1) راجع البداية والنهاية لابن كثير ج14/ 15.

(2) رواه أبو داود وابن حبان والبيهقي وأبو عوانة.

(3) رواه ابن خزيمة والحاكم والبزار وإسناده صحيح.

(4) رواه أبو داود وابن خزيمة والبيهقي والحاكم والطبراني والبزار وأبو عوانة وإسناده صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت