الصفحة 68 من 87

ذكرناه فاستدل بالحديث على أن للمسلمين أن يقدموا من بينهم أميرا عليهم إن عدم الإمام، فقال ابن قدامة رحمه الله: فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره، وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع، قال القاضي: ويؤخر قسمة الإماء حتى يظهر إمام احتياطا للفروج، فإن بعث الإمام جيشا وأمر عليهم أميرا فقتل أو مات، فللجيش أن يؤمروا أحدهم كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في جيش مؤتة لما قتل أمراؤهم الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أمروا عليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فرضى أمرهم وصوب رأيهم وسمى خالدا رضي الله عنه يومئذ سيف الله. [1]

وقد نقلنا عن الجويني رحمه الله ما يجب على المسلمين فعله إذا خلا الزمان عمن يقوم بالأحكام الشرعية من ولاة الأمور فقال: وإذا لم يصادف الناس قواما بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقدرون عليه من دفع الفساد فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن عم الفساد البلاد والعباد ... إلى أن قال رحمه الله: وقد قال بعض العلماء لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عند مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات وتبلدوا عند إظلال الواقعات ... إلى قوله: فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم ... إلى آخر قوله رحمه الله.

وقال القرطبي رحمه الله: إن الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا أستخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماما لأنفسهم أجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام إذا لم يكن الإمام معلنا بالفسق والفساد لأنها دعوة محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من أختلاف الكلمة وفساد ذات البين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة الأمر فإن دعوة المسلمين من ورائهم) والله أعلم. اهـ [2] ، فالدلالة من الحديث ونصوص أقوال أهل العلم واضحة على المطلوب لكل من شم رائحة العلم والحمد لله رب العالمين.

وقد ذكر المؤرخون أنه عندما قدم التتار لغزو الشام وتأخر السلطان عن نصرة الشام رحل إليه ابن تيمية رحمه الله ليستحثه على نجدة الشام وأهله، قال ابن كثير رحمه الله: واستهل جمادي الأولى والناس على خطة صعبة من الخوف وتأخر السلطان واقترب العدو وخرج الشيخ تقي الدين بن يتيمة رحمه الله تعالى في مستهل هذا الشهر

(1) المغني ج9/ 167

(2) تفسير القرطبي ج1/ 268.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت