الصفحة 30 من 87

وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: الآثار المرفوعة في هذا الباب كلها تدل على أن مفارقة الجماعة وشق عصا المسلمين والخلاف على السلطان المجتمع عليه يريق الدم ويبيحه ويوجب قتال من فعل ذلك، فإن قيل: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) فمن قال لا إله إلا الله حرم دمه؟ قيل لقائل ذلك: لو تدبرت قوله في هذا الحديث (إلا بحقها) لعلمت أنه خلافَ ما ظننت، ألا ترى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد رد على عمر رضي الله عنه ما نزع به من هذا الحديث وقال: من حقها الزكاة، ففهم عمر ذلك من قوله وانصرف إليه، وأجمع الصحابة عليه فقاتلوا مانعي الزكاة كما قاتلوا أهل الردة، وسماهم بعضهم أهل ردة على الاتساع لأنهم ارتدوا عن أداء الزكاة، ومعلوم مشهور عنهم أنهم قالوا ما تركنا ديننا ولكن شححنا على أموالنا، وجاز قتالهم عند جميع الصحابة على منعهم الزكاة، وكان ذلك عندهم في معنى قوله صلى الله عليه وسلم (إلا بحقها) ، فكذلك من شق عصا المسلمين وفرق كلمتهم، لأن الفرض الواجب إجتماع كلمة أهل دين الله المسلمين على من خالف دينهم من الكافرين حتى تكون كلمتهم واحدة غير مفترقة.

ومن الحقوق المريقة للدماء المبيحة للقتال الفساد في الأرض وقتل النفس وانتهاب الأهل والمال والبغي على السلطان والامتناع من حكمه، هذا كله داخل تحت قوله (إلا بحقها) كما يدخل في ذلك الزاني المحصن وقاتل النفس بغير حق والمرتد عن دينه، وقد أمر الله عز وجل بقتال الفئة الباغية بقوله (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) ، وقال نعيم بن حماد: قلت لسفيان بن عيينة: أرأيت قوله (من ترك الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) ، فقال: من فارق الجماعة خلع طاعة الله والاستسلام لأمره وللرسول ولأولي الأمر، قال: ولا أعلم أحدا عوقب بأشد من عقوبتهم، ثم قال (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ... ) الآية هذا في أهل الإسلام. اهـ [1]

وقال الصنعاني رحمه الله: وقد دلت هذه الألفاظ على أن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين - والمراد أهل قطر كما قلناه - فإنه قد استحق القتل لإدخاله الضرر على العباد. اهـ [2]

وقد وردت كثير من الأحاديث غير ما تقدم توجب الصبر على ما يراه الرعية من الظلم من الأمراء، وأن ذلك خير من المعصية والخروج عن الطاعة وشق عصا الجماعة ومن ذلك:

حديث يزيد بن سلمة الجعفي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إن كان علينا أمراء يأخذونا بالحق الذي لهم ويمنعونا

(1) التمهيد ج21/ 283.

(2) سبل السلام للصنعاني ج3/ 261، راجع شرح النووي على صحيح مسلم ج12/ 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت