لأن إن وأخواتها إذا اتصلت بها ما الحرفية كفتها عن الدخول على جملة الاسمية فدخلت على الجملة الفعلية {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ} [الأنفال: 6] {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى} [الأنبياء: 108] إِنَّ الأصل فيها أنها تدخل على الجملة الاسمية من خواص المبتدأ والخبر، لما دَخَلَتْ عليها ما دَخَّلَتْهَا على الفعل، يعني: أدخلتها الحملة الفعلية كإنما {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى} ، {يُوحَى} جملة فعلية فلما كفتها عن العمل زال اختصاصها بالجملة الاسمية فزال عملها. (وَمَا لِنَحْوِ إِنَّ كَلا مِنْ خَبَرِ) لا هذه نافية للجنس وهي محمولة على إِنَّ في العمل يعني تنصب المبتدأ الذي هو اسمها وترفع الخبر، ولكن تنصبه إذا كان مضافًا أو شبيهًا بالمضاف، يعني تنصبه لفظًا، وتنصبه محلًا إذا كان مفردًا. المفرد يقصدون به في هذا الباب ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف، لا صاحبَ علمٍ منقوص. لا هذه نافية للجنس، صاحب هذا اسمها منصوب بها، لِمَ نصب؟ لكونه مضافًا، وصاحب مضاف، وعلمٍ مضاف إليه، ومنقوص هذا خبرها.
الشبيه بالمضاف ما اتصل به شيء من تمام معناه، يعني: ما كان عاملًا في غيره، لا قبيحًا فِعْلُهُ ممدوحًا، لا نافية للجنس، قبيحًا هذا شبيه للمضاف، لماذا؟
لأنه رفع ما بعده، ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف هو المفرد، فيكون بناؤه على ما ينصب عليه لو كان معربًا، رجل هذا لو نصب بماذا يكون؟ بالفتحة. تقول: لا رجلَ في الدار مبني على الفتح في محل نصب، رجال هذا ينصب بالفتحة فتقول: لا رجالَ في الدار مبني على الفتح في محل نصب، لا مُسْلِمَيْنِ في الدار هذا مبني على الياء لأنه لو نصب، نصب بالياء، لا مُسْلِمِينَ في الدار، مبني على الياء في محل نصب، لا مسلماتِ لا مسلماتَ في ما جمع بألف وتاء يجوز فيه الوجهان، والخبر في الغالب يكون محذوفًا.
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر ... إذ المراد مع سقوطه ظهر
(كَإِنَّ ذَا الْحَزْمِ دَقِيْقُ النَّظَرِ) هذا مثال لأي شيء، لأن (إِنَّ ذَا الْحَزْمِ) ، (ذَا الْحَزْمِ) إيش إعرابه أصلًا؟
اسم إن، مرفوعٌ أو منصوب، ذا
بذا لمفرد مذكر أشر
منصوب؟ ذا هذه اسم إشارة أو لا؟ من الأسماء الخمسة، قلنا: زدناه هذه صارت ستة:
وسِتّةٌ تَرفَعُهَا بالواوِ ... في قولِ كُلّ عَالمٍ ورَاوِي
إذا هذه ليست إشارة، وإنما هي اسم من الأسماء الستة بمعنى الصاحب (كَإِنَّ - صاحب - الْحَزْمِ دَقِيْقُ النَّظَرِ) ذا اسم إن منصوب بها، ونصبه الألف نيابةً عن الفتحة لأنه من الأسماء الستة، (ذَا) مضاف، و (الْحَزْمِ) مضاف إليه (دَقِيْقُ النَّظَرِ) هذا خبر إِنَّ.
هذا ما يتعلق بهذه الأبواب، وكل باب يحتاج إلى درسين وثلاثة، ولكن الحال معلوم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.