الصفحة 158 من 242

العريقة والراسخة، وتشمل هذه الأخيرة احتقارا شديدا للكافر وجميع طرائقه. ومن الصعب قبول التوجيه، في أمور أساسية كإدارة شؤون الدولة، من قبل أولئك الذين جرت العادة زمنا طويلا على النظر إليهم على أنهم جهلاء وغير مستنيرين.

وقد وجد الوعي الإسلامي بالضعف والهزيمة، بادئ الأمر، تعبيرا ملحوظا عنه في مطلع القرن الثامن عشر، في أعقاب الإخفاق الكارثي للحصار الثاني لفيينا (1683 م) ومعاهدة كارلوفيتز (1699 م) ، وهي الأولى - على الإطلاق - التي يفرضها عدو منتصر على حكومة عثمانية مهزومة. وكانت هناك هزائم ونكسات سابقة - طرد البربر من إسبانيا نهائيا، وإنهاء النير التتري في روسيا، وتوطيد دعائم قوي بحرية أوروبية غربية في الأراضي الإسلامية جنوب و جنوب شرق آسيا. لكن هذا كله كان هامشيا نوعا ما، ويبدو أن تأثيره كان ضئيلا على قلب الأراضي الإسلامية والشرق الأوسط، حيث واصلت الإمبراطورية العثمانية، الأخيرة والأعظم من بين الإمبراطوريات العسكرية الإسلامية بطرق عدة، أداء مهمتها كسيف الإسلام ودرعه في الصراع الطويل ضد العالم المسيحي، ولبعض الوقت، كان الوعي بالضعف قاصرا - على الأرجح - على النخبة العثمانية الحاكمة، أول من تحمل وطأة التحول في ميزان القوى، بينما كانت بقية السكان لا تزال تنعم بالحماية من الغزو والواقع بفضل القوة المسلحة للدولة العثمانية، والتي ظلت قوة عسكرية هائلة حتى وقت انحطاطها. وكانت لغة النقاش قاصرة -بالمثل - على الأمور العسكرية، والأسلحة، والتدريب، والتنظيم العسكري نظرا لأنه، ولبعض الوقت، لم يخبر المسلمون التفوق المتزايد للغرب إلا في هذه الأمور فقط دون غيرها. وأدت الأحداث التي وقعت في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر - الروس في البحر الأسود، والفرنسيون في مصر - إلى جعل التفوق الأوروبي جلا بشكل مؤلم. وكان توالي الهزائم العسكرية على هذا النحو هو الأكثر إزعاجا لأبناء مجتمع ديني ذي تاريخ طويل من الانتصارات السياسية والعسكرية، والتي بدأت في حياة مؤسه، ووعي يتسم بالفخر بذلك التاريخ المقدس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت