فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 335

وبهذا يدرك المسلم شرف هذا العلم وفضلَه وأنَّه من الأسس العظام التي قامت عليها دعوات المرسلين، وأنه السبيل الوحيد لعزِّ العبد ورفعته وصلاحه في الدنيا والآخرة، وعليه فإن"من في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التبصر فيه وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنَّة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه" (1) .

وهذه المعرفة هي التي عليها مدار السعادة وبلوغ الكمال والترقي في درج الرفعة، ونيل نعيم الدنيا والآخرة، والظفر بأجلِّ المطالب وأنجح الرغائب وأشرف المواهب، والناس في هذا بين مستكثر ومقل ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

ومتى كان العبد عارفًا بربِّه محبًّا له قائمًا بعبوديته ممتثلًا أمره مبتعدًا عن نواهيه؛ تحقق له بهذه المعرفة والعبودية اللتين هما غاية الخلق والأمر كمال الإنسان المرجو وسموه المنشود، بل"ليست حاجة الأرواح قطّ إلى شيء أعظم منها إلى معرفة بارئها وفاطرها ومحبَّتِه وذكرِه والابتهاج به، وطلبِ الوسيلة إليه والزُّلفى عنده، ولا سبيل إلى هذا إلاَّ بمعرفة أوصافه وأسمائه، فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب وإليه أقرب، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد، والله ينزل العبد من نفسه حيث ينزله العبد من نفسه" (2) .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في"تفسيره"لقوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28] :"أي: إنما يخشاه حقّ خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر" (3) .

(1) "الصواعق المرسلة" (1/ 161) .

(2) "الكافية الشافية" (ص/ 3 - 4) .

(3) "تفسير ابن كثير" (3/ 553) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت