وكان يدخل بين جلد القبطي وقميصه فيؤلمه، ويدخل إلى الطعام فيملأ الأوعية والأواني ليلا، ويسعى في بشراتهم وشعورهم وحواجبهم وأهداب عيونهم، فضّجوا وبكوا وقصدوا موسى عليه السلام، ووعدوه أنه إذا دعا ربه سبحانه وتعالى ليكشف عنهم فإنهم سيؤمنون ويتوبون، فدعا موسى فرفع عنهم وأرسل الله على القمل ريحا حارة أحرقتهم وحملتهم الرياح وألقتهم في البحر.
لكن الوقت ما طال حتى قال القبط لعنهم الله: قد تحققنا يا موسى إنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبدا، فأرسل الله عليهم الضفادع فملأت فرشهم وأوعيتهم وطعامهم وشرابهم، ورمت بأنفسهم في القدور وهي تغلي، وإذا تكلم القبطي وثبت ودخلت إلى فمه، فشكوا إلى موسى وقالوا: نتوب توبة صادقة ولا نعود، فأخذ عليهم المواثيق والوعود والعهود، ثم كشف الله عنهم ذلك، وأمات الضفادع وأرسل عليهم المطر وحملها إلى البحر.
ثم عاد القبط إلى كفرهم كعادتهم ونقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم وجعل النيل يسيل عليهم دما، وكان الشخص المسلم من بني إسرائيل من قوم موسى يرفع من النيل الماء، وأما القبطي فيرفعه دما، ثم يأتي المسلم فيصب الماء في فم القبطي فيصير دما، ويأتي القبط ويصب الدم في فم المسلم فيصير ماء زلالا لذيذا. وعطش فرعون حتى شارف على الهلاك فكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب مالحا بشع الطعم. وكان بين الآية والآية أسبوعا من الزمن فكانت تمكث من السبت إلى السبت ثم يبقون بعد رفعها شهرا في عافية ثم تأتي الآية الأخرى.
وكانت الحكمة في تفصيل تلك الآيات البينات بالزمان أنه تظهر للجميع أحوالهم، هل يفون بما عاهدوا أم ينكثون، فتقوم عليهم الحجة، ثم وقع عليهم الرجز وهو طاعون نزل بهم حتى مات منهم في ليلة واحدة سبعون ألف.
قال تعالى:
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ} الأعراف 133