الصفحة 48 من 59

رابعًا: إذا عرفت ما سبق كلَّه وتحقق لديك يقينًا بأنَّ تولي يوسف عليه السلام للوزارة لم يكن مخالفًا للتوحيد ولا مُناقضًا لملَّة إبراهيم كما هو حال توليها في هذا الزمان ..

فعلى فرضِ أن الملك بقي على كفره .. فتكون مسألةُ تولي يوسف هذه الولاية مسألةً من مسائل الفروع لا إشكال فيها في أصل الدين لما تقرر من قبل بأن يوسف لم يقع منه كفرٌ أو شركٌ أو تولي للكفار أو تشريعٌ مع الله بل كان آمرًا بالتوحيد ناهيًا عن ذلك كلِّه .. وقد قال الله تعالى في باب فروع الأحكام: (لكلٍّ جعلنا منكم شِرعةً ومنهاجًا) [1] . فشرائعُ الأنبياء قد تتنوع في فروع الأحكام لكنِّها في باب التوحيد واحدة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشرَ الأنبياء إخوةٌ لعلات ديننا واحد) [2] . يعني: إخوةٌ من أمهات مختلفة والأب واحد .. إشارةٌ إلى الإتفاق في أصل التوحيد والتنوع في فروع الشريعة وأحكامها ... فقد يكون الشيءُ في باب الأحكام في شريعة من قبلنا حرامًا ثم يحل لنا كالغنائم، وقد يحصل العكس، أو شديدًا على من قبلنا فيخفف عنا وهكذا .. ولذا فليس كلُّ شرعٍ في شرع من قبلنا شرعًا لنا .. خصوصًا إذا عارضه من شرعنا دليل ..

وقد صح الدليل في شرعنا على معارضة هذا الذي كان مشروعًا ليوسف عليه السلام، وتحريمه علينا .. فروى ابن حبان في صحيحه وأبو يعلى والطبراني أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليأتين عليكم أُمراء سفهاء يقربون شرار النّاس، ويُؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا، ولا شرطيًا، ولا جابيًا، ولاخازنًا) .

(1) سورة المائدة، الآية 48.

(2) رواه البخاري عن أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت