والراجحُ أنَّ هؤلاء الأمراء ليسوا كفارًا بل فُجارًا سفهاء، لأن المحذِّر عادةً إذا حذر فإنما يذكر أعظم المفاسد والمساوئ، فلو كانوا كفارًا لبينه صلى الله عليه وسلم، لكن أعظمَ جرائمهم التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هنا؛ هي تقريب شِرار النّاس وتأخيُر الصلاة عن مواقيتها .. ومع هذا فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم ها هنا نهيًا صريحًا عن أن يكون المرءُ لهم خازنًا .. فإذا كان توالي وظيفة الخازن عند أُمراء الجور منهيًا عنه في شرعنا ومحرمًا .. فكيف بتولي وزارة الخزانة عند ملوك الكفر وأُمراء الشرك؟. (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليم) [1] . فهذا دليلٌ صحيحٌ وبرهانٌ صريحٌ على أنَّ هذا كان من شرع من قبلنا، وأنه منسوخٌ في شرعنا ... والله تعالى أعلم ..
وفي هذا الكفاية لمن أراد الهداية .. لكن من يُقدِّم استحسانه واستصلاحه وأقاويل الرجال على الأدلة والبراهين، فلو انتطحت الجبال بين يديه لما ظفر بالهدى .. (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا .. ) [2] .
وأخيرًا وقبل أن أختم الكلام على هذه الشبهة أُنبِّه إلى أنَّ بعض المفتونين الذين يسوِّغون الشرك والكفر باستحسانهم واستصلاحهم الولوغَ في الوزارات الكفرية والبرلمانات الشركية يخلطون في حججهم وشبههم كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ حول تولي يوسف عليه السلام الوزارة ... وهذا في الحقيقة مِن لَبس الحق بالباطل ومن الإفتراء على شيخ الإسلام وتقويله ما لم يقله .. إذ هو رحمه الله تعالى لم يحتج بالقصة لتسويغ المشاركة في التشريع والكفر أو الحكم بغير ما أنزل الله ... معاذ الله فإننا نُنزه شيخ الإسلام ودينَه بل نُنزه عقله عن مثل هذا القول الشنيع الذي لم يجرؤ على القول به إلا هؤلاء الأراذل في هذه الأزمنة المتأخرة، نقول هذا .. حتى ولو لم نقرأ كلامه في هذا الباب، لأن مثل هذا الكلام لا يقوله عاقل، فضلًا عن أن يصدر من عالم رباني كشيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ ... فكيف وكلامُه في هذا الباب واضحٌ وجليٌّ .. حيث كان كلُّه مُنصبًا على قاعدة درء أعظم المفسدتين وتحصيلِ أعلى المصلحتين عند التعارض .. وقد علمتَ أنَّ أعظم المصالح في الوجود هي مصلحةُ التوحيد وأنَّ أعظم المفاسد هي مفسدة الشرك والتنديد .. وقد ذَكر أنَّ يوسف عليه
(1) سورة يوسف، الآية 55.
(2) سورة المائدة، الآية 41.