الصفحة 2 من 29

بسم الله الرحمن الرحيم[1]

الحمد لله الذي أمر بحسن الجدال، ونهى عن مراء الجهال، والصلاة والسلام على الضحوك القتال، وعلى آله وصحبه أفذاذ الرجال، وعلى من سار على هديهم في الحل والترحال، أما بعد:

فإنني لاحظت على أناس كثر - لا يحصيهم إلا الله - التناقض في الآراء، والكيل بمكيالين وفقًا للأهواء، فيعيبون هذا الفعل من أناس ويمتدحونه من آخرين، ويسخطون على هذا الفاعل ثم تجدهم على الآخر راضيين، أوليس ذلك من أبشع أفعال المطففين، وقد قال الله تعالى في كتابه المبين: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: 1 - 6] قال ابن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) فأحسنوا الكيل بعد ذلك. اهـ [أخرجه ابن ماجة] وقال السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما، ويكتال الآخر فأنزل الله هذه الآية. اهـ [زاد المسير في علم التفسير 8/ 218 - 219] وقال الزجاج: إنما قيل: مطفَّف، لأنه لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء الطفيف، وإنما أخذ من طفَّ الشيء، وهو جانبه. اهـ [زاد المسير في علم التفسير 8/ 219]

فالله سبحانه وتعالى يتوعد في هذه الآيات الكريمات من طفف الشيء اليسير الصغير، فكيف بهؤلاء القوم الذين يطففون العظيم الكبير؟!

فتراهم يؤصلون أصلًا ويقعدون قاعدة، في شجب واستنكار فعل فعلته رجالات القاعدة، ثم لا يلبثون إلا ويبطلون هذا الأصل وينقضون ذلك الأساس، لأن الفعل قد فعلته وقامت به حركة حماس! وبعضهم قد صرح بأمور صحيحة، لما قُصفت غزة الجريحة، وهذا أمر حسن ومطلوب، لكن ليت شعري لماذا لغير غزة تكون الأمور بالمقلوب؟! فأين مثل هذه التصريحات والفتاوى لما قُصفت أفغانستان والعراق، وغيرها من الآفاق؟!

(1) كتبت هذه المحاجات أثناء هجوم اليهود على غزة, قبل حادثة مسجد ابن تيمية ومقتل شيخنا أبي النور المقدسي رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت