الصفحة 15 من 23

وأما أمر الدنيا فكلما أظهر الإنسان الافتقار إلى الله عز وجل كفاه, ورزقه قبل غنى اليد غنى القلب؛ كم من الناس من يعطيه الله عز وجل مالًا يسيرًا ولو عشرة دنانير أو أقل من ذلك فهي عنده رأس ماله لكن تجد في قلبه من السعادة واليقين والحب والرضا وعدم السخط، وتجد من الناس من لديهم ملايين مُمَلْيَنَة وهو أول المنتحرين، وأضيق الناس نفسًا وأشدهم ضيقًا وحرجًا, وجعل الله عز وجل ما لديه من مال وسعة زرق من أمور السخط. والله عز وجل حذر نبيه عليه الصلاة والسلام من الالتفات والنظر والإعجاب بما أعطى الله عز وجل المشركين من أموال وأولاد؛ لماذا؟ إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا, ولهذا لا يغرك أن ترى عند فلان الكثير من المال ونحو ذلك؛ لأنك لا تعلم ما في قلبه, فقد يظهر السعادة خوف الشماتة, وترى الإنسان فقيرًا كفيفًا لا يملك إلا لقمة اليوم, ثم بعد ذلك غرس الله عز وجل به من السعادة ومن اليقين, ولهذا نقول: إن اليقين هو يقين القلب. ومن نظر إلى أحوال الأمم الغابرة, وما فتح الله عز وجل في ذلك على الأمم اللاحقة من أموال وخير ولباس ونحو ذلك, تجد فقراء اليوم يلبسون من اللباس ونعومة القماش وكذلك من الحذاء، ويتنعمون ما لا يتنعم فيه قبل ذلك كسرى وقيصر, بل إن الإنسان لو أعطي لباس كسرى وقيصر في ذلك الزمان لم يلبسها لما فيها من الخشونة والبعد عن الترفه، ولم يلبسها في ذلك الفقراء, فهذه المادة جعلت الإنسان يبطر ويتكبر على أهل الأرض كلهم, وجعلت الإنسان حينما ينظر يضيق قلبه في ذلك، ومن الناس من تجد أن لديه من الأثاث ولديه من المتاع ولديه من المطعم ولديه من الأواني ما لا يملكه ملوك الناس قبل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت