وأصبحت العقول الإسلامية نوعًا من الاستعمار؛ حتى استنزاف المادة عن طريق استعمار يختلف عن الاستعمار الأول، فأصبحت الأموال تخرج من بلدان المسلمين وتوضع في حساباتهم وجيوبهم طواعية بالتحية والشكر، وهذا هو الاستعمار من جهة أموال المسلمين، ولهذا لما أن هذا العقل لم يكن لديهم في بداية الصناعة كانت الصناعة في ابتداء الأمر أقوى من آخرها، وذلك لأمور: أولًا: أنه لما كثر ونما المجتمع الغربي وكثر العدد ونحو ذلك، احتاج إلى مزيد من الاستهلاك، ولما احتاج إلى مزيد من الاستهلاك احتاج إلى مزيد من العقول التي تتناسخ مع ذلك النوع الجديد من الاستعمار، فظهر ما يسمى بالاستعمار بالدعايات التي نضعها ونلصقها بأيدينا حتى نشتري المزيد، وأصبح الإنسان يشتري جهازًا ثم بعد شهر يشتري جهازًا آخر لقوة الدعاية في ذلك، ثم لا يجد أنه قد تأثر بشيء؛ لأنه أخرج مالًا بعد مال بعد مال، وهذا المال يرجع إلى أولئك، ولم تستطع بلدان المسلمين مع ذلك ما يسمى بالتغريب ونقل المسلمين إلى حضارة غربية، وهذه الحضارة لم تمد المسلمين بأن يصنعوا حذاءً، وهذا أمر معلوم، ولهذا فإن التغريب لما بدأ في القرن التاسع عشر الميلادي وقد نشأ في مصر، ومصر من جهة صناعتها لم تصنع لنفسها ما تستغني به عن غيرها من جهة الصناعات، كذلك كثير من بلدان المسلمين.