الصفحة 6 من 52

ولهذا بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أعظم أسباب اللبس عند كثير من الناس أنهم يخلطون بين الماديات، ويخلطون بين أبواب العقائد، فإن أبواب العقائد ومعرفة الأحكام ووحي الله جل وعلا لا يمكن أن يربط بأمور محسوسات، فقد يكون للإنسان من القدرة على إدراك شيء محسوس والنظر في المادة ما لا يتحقق عند غيره، فإذا وجد عنده فإن هذا لا يعني صوابًا في أبواب الاعتقاد، فإننا نجد من كان دون البشرية من جهة الحضوة والمنزلة من العقل أن الله جل وعلا خصهم بجملة من الخصائص التي هي بالنسبة للبشر من أبواب الإعجاز، فنحن نرى النجوم والكواكب في أماكن عالية، ونرى من الطيور وغيرها ما سخر الله جل وعلا لها من الخصائص ما تفوق البشر وما لم يصل إليه البشر، وهم بالإجماع دون البشر من جهة المزية والفضل والمنقبة، وذلك أن تلك الخصائص ليست مزية بمعرفة ذات الحق، وكذلك بضعف العقل وعدمه، وإنما هي أسباب يهيؤها الله جل وعلا للإنسان فيصل بها إلى غاية أرادها الله سبحانه وتعالى. ولهذا بيّن الله جل وعلا أن الذي يمنعه من أن يجعل للكفار لبيوتهم سقفًا من فضة ومعارج عليه يظهرون، هو ألا يكون الناس أمة واحدة، كما جاء في قول غير واحد من المفسرين أن المراد بالأمة الواحدة هي على الكفر أو النفاق أو الزندقة والإلحاد، وذلك أنهم ينظرون إلى حال الكفار، ومن يكفر بالرحمن أن الله جل وعلا جعل لهم بيوتًا وسقفًا من فضة، وجعل لهم معارج، فخلطوا بين النظرة المادية، وبين الصواب من جهة العقل والإدراك والنظر في صواب الشريعة من عدمها، فخلطوا في أبواب منفصلة ومنفكة، وذلك أن الأسباب الموصلة إلى إدراك الحكم والغايات الإلهية التي أمر الله جل وعلا بالتزامها في أبواب التعبد منفكة ومنفصلة عن المدركات المادية التي يدرك الإنسان ذواتها ولكنه لا يدرك ذوات غيرها من حكم الله سبحانه وتعالى في أمور الغيب وحكم العبادة وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت