الصفحة 10 من 16

يعني معه تعدد الحق, بل إن الحق واحد لا يتعدد, وهذا قد حكى الإجماع عليه, حكى إجماع العلماء ابن قدامة وغيره, بل حكي إجماع الصحابة على ذلك, أن الحق واحد لا يتعدد, وهو قول الأئمة الأربعة, وقد ذهب جماعة من المعتزلة كأبي حامد الغزالي و أبي بكر الباقلاني و الآمدي وغيرهم, إلى أن الحق يتعدد بحسب أقوال المجتهدين, وهذا قول منقوض عقلًا وشرعًا.

أما من جهة الشرع فظاهر بين, أن الشريعة جاءت بأحكام شرعية, لا يمكن أن يتعدد الأمر فيها, خاصة أنه لا يمكن أن يفعل الإنسان شيئًا ويفعل ضده, فهو مأمور بالصلاة أو منهي عنها, إلا ما كان على التخيير بين أمرين, أن يفعل هذا أو يفعل هذا, فيقال: إن الحق قد يتعدد في مثل هذه الحالة, وما يذهب إليه المعتزلة منقوض أيضًا بالعقل, فإذا قيل: إن الحق يتعدد بحسب الاجتهاد, فإن المجتهدين الذين قالوا بعدم تعدد الحق قولهم حق وصواب, وعليه فهم ينقضون هذا القول, وهذا ظاهر في بطلان قولهم.

الأصل الخامس: أن العامي حينما يعلم أن العلماء قد اختلفوا في هذه المسألة, يجب أن يلتمس قول الأعلم, ومن جمع بين العلم والورع, وفاق غيره في هذا الباب, وجب الأخذ بقوله عند الاختلاف بالنسبة للعوام, ولكن العلماء قد اختلفوا فيما إذا تباينوا في العلم والورع, أي إذا كان الرجل أعلم, لكنه ليس بصاحب ورع, وكان ذاك صاحب ورع, لكنه ليس بأعلم, فأيهما يأخذ بقوله؟ على خلاف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال.

والذي يظهر -والله أعلم- أنه يأخذ بقول الأعلم؛ لأن الأصل في العلم الخشية, والعلم يعني معرفة الدليل والنظر فيه, والورع لا يلزم منه علم, والورع منقبة للإنسان بذاته, لا تتعدى في الأغلب إلى غيره, إلا إذا كان الإنسان متمكنًا من العلم.

الأصل السادس: أن الأخذ بالتراخيص من أقوال العلماء, وجمعها في مسألة واحدة, هذا الجمع لا يمكن أن يقول به أحد من العلماء, بل هو من أعظم المخاطر, ومن أعظم الزلل؛ وذلك أن بعض العلماء في مسألة من المسائل يقول بعدم الأخذ بشرط من الشروط, والقول ببقية الشروط, والمجتهد الآخر قد يسقط شرطًا آخر, والأخذ بقول كل عالم بإسقاط شرط قد لا يبقي للإنسان شروطًا في هذه العبادة, وهذا ما يسميه العلماء بتتبع الرخص وهو أخطر من الترخيص, والمبالغة في ذلك وتتبعه.

ونظير هذا من يأخذ بقول أبي حنيفة بإسقاط شرط الولي في النكاح, ويأخذ بالرواية عن مالك , بإسقاط شرط الشاهدين في النكاح, ويقول: إنني أتزوج بلا ولي, وبلا شاهدين, وهذا هو تتبع الرخص وإن كان قد أخذ بقول من كل واحد, وهذا هو أعظم الشذوذ، والمخالفة فيه للدليل ظاهرة, وينبغي الحذر من هذا أعظم الحذر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت