وعلى نور وهداية من الكتاب والسنة, ولكنهم قد شذوا بمثل هذه الأقوال, وهم معذورون في ذلك, وأصابوا أجرًا واحدًا, فليحذر الإنسان أن يأتي بأقوال ما قال بها أحد من العلماء, فهؤلاء العلماء المعتبرون لا يسوغ للإنسان أن يقول بهذه الأقوال الشاذة المروية عنهم، فكيف بغيرهم؟
ومما ينبغي فهمه وإدراكه أنه ينبغي للعالم أن يحذر من إظهار الرخص للعوام, والدلالة عليها, وإن كان الدليل قد جاء بها؛ لأنها ربما تصد الناس عن العمل بدين الله, والعمل للآخرة والإكثار من العمل الصالح.
وقد روى البخاري و مسلم من حديث معاذ بن جبل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: (من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة, قال معاذ بن جبل: يا رسول الله! ألا أخبر الناس؟ قال: لا تخبرهم فيتكلوا) , فإذا غلط الرجل عند كلامه على هذا الحديث, قال: وفي هذا الحديث دلالة على أنه ينبغي للعالم ألا يكثر من الرخص في دين الله؛ لكي لا يثبطهم عن العمل, وهذا ظاهر, ولا يعني للعالم أن يمسك عن إظهار دليل؛ لأن من يمسك عن إظهار دليل يكون قد كتم من دين الله, ولكنه قد عمل بمقصد أسمى, هو خير لذلك.
... معرفة حال السائل وميله لطلب الرخصة
ومما ينبغي أيضًا فهمه وإدراكه أنه ينبغي للعالم أن يحذر حال سؤال المستفتي عن مسألة ما, فربما كان المستفتي يطوع العالم أن يقول بمسألة من المسائل بخلاف ما يريد, سواء بإظهار المفاسد في قول ما, أو بإظهار المصالح وإبرازها ونحو ذلك, وهذا هو الباحث عن الترخص, فإذا علم العالم من حال السائل هذا, فإنه ينبغي أن يغلب جانب التشديد عليه, خاصة إذا لم يكن مضطرًا.
ولهذا يقول أبو الوليد الباجي عليه رحمة الله: وقد كان الناس كثيرًا ما يأتونني ويسألونني عن قول, فأفتي فيه بظاهر الدليل, فيقولون: لعل فيه رواية, أو لعل فيه قولًا آخر, يريدون مخالفة الدليل بما يوافق أهوائهم, وهذا مما يجب على المفتي والعالم أن يحترز منه في هذا الباب.
... التحذير من الفتوى مجاراة لرغبة الناس
كذلك أيضًا مما ينبغي فهمه أن الإنسان إذا كان يأخذ بقول عالم من العلماء, ويأنس إليه, فإذا أفتى بقول يخالف ما يحتاجه الإنسان, أنه لا يسوغ له أن يخالف هذا العالم؛ لأن هذا مظنة هوى؛ وذلك أنه ما التمس