فقال: لا، وإنما يسأل أهل العلم, وكأنه ما جعله من أهل العلم, حتى يعرف الصحيح من الضعيف من هذه السنة, وكذلك يميز بين أقوال العلماء المتشدد منهم والمتساهل.
ولما بعد الناس عن هذه الأصول, وجهلوا شروط المفتين, والتماس الحق بشروطه وانتفاء موانعه, كثرت الأقوال الشاذة في دين الله, تمسكًا بأقوال فلان بن فلان, وأقوال العالم الفلاني, أو الجهة الإفتائية الفلانية, مع مخالفة الدليل وظهور الأدلة من الكتاب والسنة, فكان الحق مطية يتمطى بها كل من رام أن يأخذ بالرخصة, مع ظهور الدليل عنده, تمسكًا بقول فلان, ونحو ذلك, وهو يجهل شروط المفتين, وأهلية المفتي للفتوى, وغير ذلك.
ولهذا ربما كثر عند بعض الناس القول بالشاذ والإفتاء به, ومخالفة الدليل من غير سبب, وهذا لا شك أنه قد اجتمع فيه كثير من الشر, بقدر اجتماع الشاذ من القول فيه.
وكثير من الناس يقع في الوهم والزلل وعدم الإدراك للصواب, فيأخذ بطرق يظن أنه على الحق فيها, والزلل الذي يقع عند المفتين, وكذلك من ينصب نفسه مكان المشرع, ويفتي في شرع الله بأقوال عباده ويتنكب الدليل, والمزالق في ذلك كثيرة, لكن ليست كلها بسبب سوء النية, أو التعدي على الشرع, أو النظر في الترخص والمباحات، لا, ولكنه يكون بعضها بالجهل, وعدم الاحتراز لجناب الشريعة والعناية بالدليل, فإن أعظم المزالق التي ينزلق فيها كثير ممن يقول بخلاف الحق, ويتنكب الدليل, هي لعدم معرفته بالصحيح من الضعيف من السنة, ومن كانت حاله هذه فليس أهلًا للفتيا, حتى يميز صحيح الأثر من ضعيفه.
وقد نص على هذا غير واحد, بل حكموا بأن من كان حاله على هذه الحال أنه لا يجوز له أن يفتي, ويجب عليه أن يسأل أهل العلم العارفين بالصحيح من الضعيف من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد نص على هذا عبد الرحمن بن مهدي , وكذلك الإمام أحمد و ابن المبارك و الخطيب البغدادي وكذلك ابن القيم , وكذلك الإمامالشافعي في مواضع من مصنفاتهم عليهم رحمة الله, أنه إذا كان العالم لا يملك آلة التصحيح والتضعيف, ولا يميز الصحيح من ضعيفه, فهذا ليس أهلًا للفتيا, وهو داخل في دائرة العوام من جهة التقليد, وهو مقلد لا غير.
وكذلك أيضًا من المزالق التي تجعل القول الشاذ يرويه كثير من الناس أو العامة, عدم العناية بالقول الصحيح؛ لأن طالب العالم حال طلبه للعلم يحاول التماس الراجح من أقوال الفقهاء, فيحفظ المصنفات من المتون الفقهية, ويكون أول ما يصل إليه الترجيح على قول فلان, أو الترجيح على قول فلان, من غير التماس