للدليل, فيأخذ بقول العالم الفلاني؛ لأنه قد حفظ متنه الفقهي, فحال سؤاله عن مسألة من المسائل يتبادر إلى ذهنه أول ما وصل إليه من الأقوال.
وهذا من أسباب نشوء الخلاف, وكذلك عدم التوسع في معرفة الخلاف, فإذا كان طالب العلم يحفظ متونًا فقهية, وهي أول ما وصلت إليه, ولم يسبق ذلك بحفظ الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنه عند سؤاله يبادر إلى ما حفظه من أقوال العلماء من غير نظر للدليل, فإذا علم أن أحدًا خالفه شدد عليه, وظن أنه قد خالف الحق, وهو ما عرف إلا ذلك المتن الذي قد حفظه.
وكذلك أيضًا من مواضع الزلل عند المفتي في مخالفة النص, أن المفتي ربما يجهل حال البلد الذي استفتي منه, وربما تكون حال ذلك البلد تختلف عن حال البلد الذي هو فيه, وبتلك الحال ربما يختلف الحكم الشرعي؛ لأن الشرع قد علق الأمر بعلة شرعية, إن وجدت وجد هذا الحكم الشرعي, فلما كان البلد قد تغير, فإنه ينتفي هذا الحكم وينقل إلى حكم آخر؛ لأنه معلق بعلة, والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا.
والأمثلة على ذلك كثيرة, فربما سئل مفتٍ من المفتين عن مسألة خضاب الرجل, وهل يجوز أم لا؟ فربما أفتى بأنه لا يجوز؛ لأنه تشبه بالنساء؛ لأن النساء في بلده يخضبن والرجال لا يخضبون، ولكن في كثير من البلدان الإسلامية ربما الرجال يخضبون أكثر من النساء, فإذا كان العالم يعلم حال ذلك البلد التي قد استفتي فيها, فإنه يكون على بينة, ولا يحدث قولًا يحمل على الشرع, فيخالف الأصل الذي قدره الشارع وهو تعليق الأمر على تلك العلة التي علق الشارع الأمر بها.
ومن ذلك أيضًا ما يتعلق بلباس الناس, من جهة التشبه ومن جهة الألوان, فربما يسأل العالم عن لباس المرأة, ولون لباسها ونحو ذلك, كأن تكون المرأة تخرج بعباءة خضراء, أو عباءة صفراء, أو عباءة بيضاء ونحو ذلك, فيقول بعدم الجواز, ولا يعلم حال المستفتي ولا حال بلده.
وذلك لقوله أن الرجال يلبسون البياض, وأن النساء قد اختصصن بالمباينة, وحال ذلك البلد أن الرجال والنساء لا يفرق بينهم من جهة لون اللباس, والواجب الستر, فحينئذ يقال: إن الشارع لم يخصص لونًا بعينه, ولكنه إذا وجد في بلد أن الرجال قد امتازوا بلون, والنساء قد امتزن بلون, فإنه يحرم على النساء أن يلبسن ألوان الرجال, ثم يفتي بأنه يحرم على المرأة أن تلبس اللباس الأبيض؛ لأنه من اختصاص الرجال في بلده.
وأما البلد الآخر الذي منه المستفتي, فيجاب بحسب معرفة الحال؛ لهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: وإنما وقع الخلاف في الشرع.