الصفحة 8 من 16

ومنهم من يعلم الدليل من الكتاب والسنة, ويجهل السياسة الشرعية, ومنهم من يعلم السياسة الشرعية, ويجهل الأدلة من الكتاب والسنة, فهذا يُدعى إلى التماس الدليل, وذاك يُدعى إلى التماس السياسة, الشرع حينئذ, والعالم لا يمكن أن يكون عالمًا شاملًا متأهلًا, حتى يكون عالمًا بالكتاب والسنة, متأهلًا للفقه في السياسة الشرعية.

... ما يجب على من تصدر للفتوى

ولهذا الواجب على المفتي أن يكون فاهمًا, والفهم على نوعين كما قال غير واحد من العلماء, أن يكون فاهمًا للدليل, وأن يكون فاهمًا لحال المستفتي, وهذا قد نص عليه الأئمة عليهم رحمة الله في قرون طويلة, وقد ذكر الإمامأحمد بن حنبل عليه رحمة الله, أن المفتي لا يمكن أن يؤهل للفتوى, حتى يكون فيه خمس خصال:

الخصلة الأولى: أن يكون صاحب نية وورع, فإنه إن كان فيه نية كان في وجهه نور, وإن كان في وجهه نور, كان على كلامه نور.

الخصلة الثانية: أن يكون صاحب علم وحلم ووقار وسكينة.

الصفة الثالثة: أن يكون قويًا وقادرًا فيما هو فيه.

الصفة الرابعة: أن يكون صاحب كفاية, وإلا مضغه الناس.

الصفة الخامسة: أن يكون عالمًا وعارفًا بأحوال الناس, خاصة فيما يتعلق بالأحكام الشرعية التي هي منوطة بعلل, ولم يعلقها الشارع بحكم شرعي بائن لازم على كل حال, فإنه تتباين الأحكام الشرعية من حال إلى حال, وهذه هي التي قصدها العلماء, بأن الفتوى فيها تختلف بحسب اختلاف الزمان والمكان, هذه هي الفتاوى التي تتعلق بعلل, وقد نص الشارع عليها, كمسألة تشبه المرأة بالرجل, وكذلك تشبه الرجل بالكافر ونحو ذلك, فإن هذا ربما اختلف من حال إلى حال بحسب المخالطة وبحسب البلد, فربما كان بلد يمتزج فيه حال المرأة بالرجل من جهة اللون, وكذلك من جهة الرجال بعضهم مع بعض.

إذا علم الإنسان ذلك, فقد أدرك الصواب, ومقاصد الشريعة التي جاء الشرع لتتميمها, فاجتنب المبالغة في الترخيص, وكذلك المبالغة بالأخذ بالعزائم, فأخذ طريقة الوسطية في دين الله سبحانه وتعالى.

وشريعة الله مآلها ومردها إلى الكتاب والسنة, وليس إلى قول فلان من الناس, ومن نظر إلى حالنا في هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت