غير هذا العالم, إلا لما خالف ذلك القول الذي أراد خلافه, وهذا به يمتاز أهل الورع والديانة والتثبت والتماس رضا الله عز وجل, والبعد عن الرخص, إذا علم الإنسان ذلك علم أهمية الاحتياط لدين الله, والاحتياط كذلك لذمم الناس, وأن الشريعة لما وصفها الله عز وجل بالتيسير, لا يعني الإنسان أن يأخذ الأرخص بالإطلاق من الأقوال, وأنه يسوغ له أن يقول بقول من قال بالجواز على الإطلاق ونحو ذلك.
وقد توسع كثير من المتأخرين في هذا, فمن نظر إلى أحوال من ينتسب إلى العلم, خاصة من خالط المجتمعات التي فيها إعراض عن دين الله وجد أن هذا الواقع ربما أثر على هذا العالم بالتماس الأقوال المرخصة, والأقوال اليسيرة ونحو ذلك, وربما أثر عليه وجعله يلتمس الأدلة تطويعًا لأقوال هذا المجتمع من حيث لا يشعر, وهذا ما يسميه العلماء ضغط الواقع على المفتي, أن يلتمس أقوالًا من حيث لا يشعر, يريد أن يساير هذا المجتمع ونحو ذلك.
أولًا: يقال: إن المجتمعات لا تحكم الشريعة؛ ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بيئة جاهلية, فحكمها بأمر الله سبحانه وتعالى, وجعلها خاضعة لأوامره وحكمه, وما جعل هذا المجتمع كله حاكمًا لشريعة الله سبحانه وتعالى, وقد انقلبت كثير من الموازين, فكان في عصرنا كثير من المجتمعات تحكم الشريعة بأهوائها, بدلًا من أن تحكمهم الشريعة, بل قد قال بعضهم لما كان مجتمعًا يسن قانونًا وتشريعًا قال: التمسوا ما ترون أنه أصلح لهذا المجتمع, فإنه لا يعوزني أن أجد في مذهب من المذاهب ما يوافق القول الذي تختارون, وهذا لاشك أنه جريمة وعدم إرجاع الأمور لكلام الله, ونزع لربقة التكليف, وعدم إظهار لهيبة الحق سبحانه وتعالى, وكلامه جل وعلا, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن عاش في المجتمعات البعيدة عن شريعة الله, فلا يعني أنه يحكم الشريعة بضغط ذلك الواقع, الشريعة يحكمها الكتاب والسنة, والمقاصد الشرعية التي لا تخالف الأدلة الصريحة.
كثير من الناس يجعل المقاصد الشرعية من دفع المفاسد ودفع الضرر وجلب المصالح ونحو ذلك, يجعلها هادمة للأدلة, ونسي أن الأدلة الشرعية من الأوامر والنواهي, ما جاءت إلا تسليمًا لهذه المقاصد العظمى, سواء علم الإنسان أو لم يعلم.
الشريعة الإسلامية لا يصفها الإنسان باليسر والسهولة من جراء ذوقه, إنما يصفها صاحب الفطرة السلمية السوية, لا يصفها الذي قد انغمس في الشهوات والشبهات, وانغمس في المجتمعات المنحلة البعيدة عن دين الله سبحانه وتعالى؛ لهذا وصف غير واحد من العلماء الذين يميلون إلى الترخص على الإطلاق, كالزركشي وغيره, أن الذي يسلك باب الترخص أنه منحل أو سلك طريقة الانحلال، والعياذ بالله.
شريعة الله يصفها صاحب الفطرة السليمة, ونسمع كثيرًا أنه ينبغي ترك الأقوال المتشددة والأخذ بالأقوال