الثالث: ألا يخالف أمرًا مجمعًا عليه, فإذا خالف الإجماع, فلا يجوز الأخذ به.
الرابع: ألا يكون فيه مخالفة لما رفع الإمام فيه الخلاف, ومعلوم أن الإمام في كثير من الأحكام الشرعية يرفع الخلاف, فالأخذ بالترخيص في هذه المسائل لا يجوز.
الأمر الخامس: أن يجد الإنسان في قلبه طمأنينة إلى الركون إلى هذا القول في مثل هذه الحال, فإذا لم يجد طمأنينة في قلبه فليعلم أن هذا من أجود القرائن عند العالم في مخالفة الحق وعدم التوفيق للصواب, وهذا من القرائن وليس من الدلائل الظاهرة, والأخذ بشواذ أقوال العلماء وعدم الأخذ بالدليل, لاشك أنه شر قد انتشر خاصة في الأعصار المتأخرة, ودعا كثير من الناس إلى الترخيص في المسائل, وأنه إذا وجد قول من العلماء من قال بالتيسير, فما دام أنه عالم من العلماء, فلا حرج في الأخذ بقوله؛ لأنه عالم معتبر, من غير النظر للدليل, وتوسع في هذا كثير ممن يرخص في دين الله, مواكبة للعصر, وتيسيرًا على الناس, وكذلك إظهارًا لسماحة الإسلام ونحو ذلك, وهذا لا يمكن أن يظهره إلا شخص قد وقع فيه انهزام أمام أعداء الملة والدين, الذين أظهروا قوتهم عداء للإسلام, وثقة منه بهدم الدين وثلمه, وهدم الضروريات الخمس بالجملة, ومع ذلك يراد أن تظهر سماحة الإسلام أمام هؤلاء ونحو ذلك, لاشك أن هذا عدم توفيق للصواب, ومخالفة لأصول الإسلام, فضلًا عن فروعه.
في مثل هذه الأحوال ينبغي للإنسان أن يغلب جانب العزم والحزم, وننظر إلى كثير من المفتين, وكذلك من انبرى للمنابر الفضائية ونحو ذلك, الذين يقولون بفتاوى مخالفة للشرع؛ لأنه وجد ونسب قول لفلان, فهذا يقول بجواز إمامة المرأة للرجال, وذاك يقول بجواز أن تؤذن المرأة في المساجد, وذاك يجوز أن تصافح المرأة الأجنبي ونحو ذلك, وهذا هدم للشريعة, وإن قال به بعض العلماء.
وزلة العلماء -كما قال غير واحد- يحرم نسبتها إليهم إذا كانت مخالفة للدليل مخالفة صريحة, وقد ألَّف ابن دقيق العيد عليه رحمة الله مصفنًا جمع فيه ما خالف فيه الأئمة الدليل صراحة, ثم قال في مقدمة كتابه: ويحرم نسبة هذه الأقوال لهؤلاء العلماء, ولا يوجد عالم من العلماء إلا وقد خالف ظاهر الدليل, وهو معذور بمخالفته تلك؛ لأنه قد بذل وسعه وجهده في التماس الصواب, فقال بهذا القول, وإذا قلنا: إنه يجوز للإنسان أن يأخذ بأقوال الناس, وأن يأخذ بالأيسر منها, إذا كان له سلف في هذا القول, فلا شك أن هذا القول وهذا التأصيل من أخطر الأقوال وأعظمها وأشنعها.
وذلك أن فيها ردًا لأقوال الناس, وعدم رد للدليل من الكتاب والسنة, كذلك أن مخالفة العالم الذي خالف الدليل ليست مسوغًا للإنسان لأن يخالف الدليل وهو ظاهر لديه, ويعلم الحق, فيقول بقول فلان, فربما كان فلان معذورًا بأخذه بهذا القول, وأنت لست بمعذور, ويكفي في هذا أن الإنسان إن أخذ من فلان بشاذ