عز وجل قد أكد النواهي وشدد فيها أكثر من تشديده على المأمورات؛ وذلك أن المأمور يلزم منه تكلفة ومشقة, بخلاف المنهي, فإنه لا يلزم منه تكلفة ومشقة, فإن الإنسان الأصل في فطرته العجز, والله عز وجل قد وهبه القدرة, فلما كان النهي يقتضي الامتناع والكف, وهو الموافق لحال الإنسان من غير هبة الله عز وجل له القدرة, كان النهي أشد من هذا الباب؛ لكون التيسير فيه أظهر وأبين, بخلاف المأمور فإنه يلزم له القوة والإدراك, وكذلك التكليف, فكان حينئذ الأمر من جهة الشرع أهون بالنسبة للمنهيات, وهذا ظاهر, فإن من نظر إلى الآي من كلام الله سبحانه وتعالى, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وجد هذا ظاهرًا.
لهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم, وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) , فأكد على الاجتناب, وعلق الأمر بالاستطاعة في الأمر؛ لأن الأمر في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) يقتضي كلفة ومشقة فضلًا عن الأصل الذي خلق عليه الإنسان وهو العجز.
وأما النهي فإنه يجب على الإنسان أن ينتهي عنه جملة؛ لأن الأصل في حاله العجز, فكانت المنهيات في الشرع آكد وأشد تأكيدًا من المأمورات, وعليه يقال: إنه ينبغي للعالم والمفتي أن يؤكد في جانب المنهيات أعظم وأشد من المأمورات؛ وذلك لأن الغالب أن المأمورات تتعلق بها المصلحة الأخروية وإن وجد شيء كثير مما يخالف هذا, وأما المنهيات, فتتعلق بها المصلحتان: المصلحة الدنيوية والأخروية, وهذا ظاهر؛ ولهذا كانت كثير من المفاسد التي نهى الله سبحانه وتعالى عن الوقوع فيها, مما يتعلق بحقوق العباد بعضهم مع بعض, وهذا ظاهر, فلو نظر الإنسان وسبر ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نهي وتشديد, لوجد أنه مما يتعلق بمصالح الناس في الدنيا, وما يكون من تأكيد يجد أنه بالجملة مما يتعلق بمصالح الإنسان الأخروية, وعليه جاء الدين كاملًا متكاملًا, بحفظ الدين والدنيا.
وهذا معلوم قد نص عليه قد غير واحد من الأئمة عليهم رحمة الله, وقد جاء ما يدل على هذا الأصل من كلام الله سبحانه وتعالى, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لهذا كانت حماية جناب الشريعة من المهمات العظيمة, فاحترز الشرع في باب المنهيات أعظم من احترازه في باب المأمورات؛ حفاظًا على مصالح الناس, وكذلك حفظًا للضروريات الخمس, وتأكيدًا على صيانتها, وكذلك منعًا لما يترتب من تجاوز على هذه المنهيات ومن تعد عليها, ومن حصول مفاسد عظيمة في الدين والدنيا.
ولذلك وجب على المفتي والعالم, ومن أراد أن يتفقه في دين الله: الاحتراز في الفتوى من القول على الله عز وجل بلا علم؛ لأنه موقع عن الله, وموقع عن رب العالمين, وكأنه قد نصب نفسه مقام المشرع عليه الصلاة