ويشمل: التعريف بموضوع اختلاف المطالع، وتحرير محل النزاع فيه
اقتضت الحكمة الإلهية أن يتفرق سكان الأرض على سطحها؛ ليعمروها ويقوموا بخلافة الله فيها، وتبع ذلك - بالضرورة - اختلاف مواقع البلاد على الكرة الأرضية شرقًا وغربًا، وشمالا وجنوبًا، واقتضى نظام سير الكواكب لاسيما الشمس والقمر اختلافًا وتفاوتًا في مواقيت العبادات المقدرة بشروق الشمس وغروبها وزوالها: كالصلوات الخمس، والمقدرة بثبوت الأهلة كالصوم. فتشرق الشمس على قوم قبل أن تشرق على قوم آخرين بساعة وساعتين وأكثر من ذلك على حسب التباعد بين الجهتين شرقًا وغربًا، فبينما تكون بلاد في وقت المغرب تكون بلاد أخرى قي وقت الشروق أو الزوال أو العصر؛ لأن كل ساعة من ساعات الليل والنهار هي طلوع الفجر وشروق الشمس، وهي وقت الضحى والزوال، والعصر والغروب وهي وقت ظلمة الليل، أوله ووسطه وآخره، على حسب مواقع البلاد؛ ولذلك لا يمكن أن توحد مواقيت الصلاة اليومية، ولا أوقات الإمساك والإفطار في أيام رمضان في جميع الأقطار الإسلامية ما دامت الأوضاع الكونية قاضية بتفاوت تلك المواقيت، وما دام هذا التفاوت هو الواقع المشاهد [1] .
إن اختلاف مطالع [2] القمر مما وقع الاتفاق عليه، ولا يمكن جحده أو المكابرة فيه، فإن الثابت واقعيًا وعلميًا والمشاهد حسيًا أن الهلال يرى في بعض البلاد بعد غروب الشمس، ولا يرى في بعضها إلا في الليلة الثانية، ومعنى هذا أن رؤية الهلال قد تكون ميسرة لبعض الأقطار دون بعضها في أول الشهر، وفي هذا يقول الفقيه الحنفي ابن عابدين في رسالته"تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان":"اعلم أن مطالع الهلال تختلف باختلاف الأقطار"
(1) بحث توحيد بدايات الشهور القمرية للشيخ محمد علي السايس، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثالث (ج 2/ص 938) .
(2) مطلع: جمع (مَطْلع) بكسر اللام وفتحها، وكل ما بدا لك من علو فقد طلع عليك (انظر المصباح المنير للفيومي(ص 142) ، والمقصود به هنا: مكان طلوع القمر بطرفه الهلالي المنير على أهل الأرض عند الغروب أو أثره في أول ليلة من الشهر القمري (انظر الفقه الإسلامي المقارن للدريني، ص 551) .