وقال في نفس السياق [1] :"وهذا يمكن أن يكون بدقة في الوقت الحاضر"وقال أيضًا في الجرح الذي لا ينتهي إلى عظم [2] :"في عصرنا هذا , وبعد أن تقدم الطب نرى أنه يمكن المقاصة فيه , وفي كل جرح ... فإن كنا في بلد ليس فيه أطباء يعرفون كيف يجرحون جرحًا مماثلًا , فحينئذ لا قصاص"أهـ وممن رجح هذا القول أيضًا الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس , بل وجزم كما جزم الشيخ ابن عثيمين بقدرة الطب الحديث على القصاص من كل جرح , وعبارته [3] :"لقد ضيق فقهاؤنا الأقدمون دائرة القصاص في الجروح وكسور العظام والأعضاء بسبب تعذر المماثلة والمساواة في القصاص , وأن القصاص في زمانهم في هذه الأمور يؤدي إلى هلاك الجناة وعقوبتهم بما لا يستحقون. نقول: إن هذا عائد إلى الحالة الطبية والعلاجية والجراحية السائدة عندهم , فقد كانت متواضعة وبدائية , ولهذا تخوفوا ومنعوا القصاص , وضيقوا دائرته , مع أن النصوص تفيد العموم .... , وإن ما تخوفه فقهاؤنا من إتلاف لم يعد متخوف في زماننا , فقد تقدم الطب والعمليات الجراحية تقدمًا مذهلًا في كل أعضاء الجسم , في العين والأنف والأذن والأطراف والأعضاء, بل وفي الأعصاب وفي الدماغ وفي غيرها , ويستطيع الطب الآن أن يقتص من الجاني في جميع الجروح التي منع الفقهاء القصاص فيها من ملطاة و حارصة وسمحاق و متلاحمة وجائفة وغيرها , حتى في العين وإذهاب نورها , وأقول غير متهيب: إن على القاضي المسلم اليوم أن يحكم بالقصاص في هذه الجروح وغيرها , وأن يكلف أطباء ماهرين في إجراء هذه العمليات , سواء أكان ذلك بقطع العضد أم الفخذ أم الساعد من منتصف هذه الأعضاء , أو من أي مكان وقع عليه الكسر , وليس من المفاصل فحسب"أهـ والذي أراه أن ما جزم به الدكتور أبو فارس , وقبله سماحة الشيخ ابن عثيمين , من قدرة الطب على تنفيذ جميع حالات القصاص دون حيف , محل نظر؛ وذلك أن الطب لا يزال عاجزًا عن الوثوق ببعض حالات القصاص , خاصة الجنايات الواقعة بالقرب من الأعضاء الدقيقة والخطرة كالدامغة والجائفة ونحوها من الجراحات , وإن كان الطب الحديث قد تقدم تقدمًا مذهلاُ , يجعله قادرًا على تنفيذ ما كان يعد بالأمس من قبيل المستحيل , وبكل حال , فحاصل هذا القول أن يقتص من الجراح التي أصبح الطب الحديث قادرًا على القصاص منها دون حيف؛
(3) في كتابه الفقه الجنائي ص755.