أما القول بأن الطب قادر أو ليس بقادر فهذا مرجعه إلى أهل الشأن , وهم الأطباء , فيرجع إليهم في تقدير الاستطاعة من عدمها , وهذا ما رجحه أيضًا الدكتور صالح اللاحم [1] , وهذا الاتجاه الثاني هو الأسعد بالدليل الذي جاء بمشروعية القصاص في كل جرح يمكن فيه المماثلة , كما يفهم من قوله تعالى: (والجروح قصاص) والجمع المحلى بالألف واللام الجنسية يفيد العموم , فتخصيص الجروح بما ينتهي منها إلى مفصل ... الخ , هو تخصيص بغير دليل , سوى الدعوى بأنه مما لا يمكن فيها المماثلة, وهذا مما يختلف باختلاف العصر وتقدم الطب, وبناء عليه, يرجع فيه لأهل الخبرة , ويسأل الأطباء والجراحون عن مدى تمكن الطب الحديث من استيفاء القصاص بلا حيف من هذه الأطراف, والمنافع, والجروح, والشجاج.
المبحث الخامس
حكم السراية في القصاص
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مفهوم السراية:
السراية في اللغة: من سرى , إذا دبّ , يقال: سرى عرق الشجر , إذا دبّ تحت الأرض [2] .
وهي في اصطلاح الفقهاء: تعدي أثر الجناية أو القصاص من عضو إلى عضو آخر , أو إلى النفس بالموت , كأن تقطع رجل الجاني قصاصًا من مفصل الكعب , فتتآكل إلى الساق أو الفخذ , أو يهلك بسببها الجاني [3] .. وبتأمل هذا المعنى الاصطلاحي نجد أن السراية هي ما يطلق عليه الأطباء في عصرنا الحاضر: (المضاعفات) وقد ضرب ابن قدامة [4] مثالًا للسراية , فقال:"وسراية القود غير مضمونة .... لا فرق بين سرايته إلى النفس بأن يموت منها , أو إلى ما دونها مثل أن يقطع إصبعًا فتسري إلى كفه"أهـ.
المطلب الثاني: حكم السراية في القصاص:
اتفق الفقهاء بأن سراية الجناية مضمونة , كما صرح بذلك ابن قدامة [5] , حيث قال:"وسراية الجناية مضمونة بلا خلاف؛ لأنها أثر الجناية , والجناية مضمونة , فكذلك أثرها"أهـ.
واختلفوا في سراية القصاص , فذهب الجمهور, من المالكية [6] , والشافعية [7] , والحنابلة [8] إلى أنها هدر, أي: غير مضمونة؛ لما جاء في صحيح البخاري [9] عن علي رضي الله عنه قال: (ما كنت لأقيم حدًا على أحد , فيموت ,
(1) في كتابه الجناية في ما دون النفس , ص 174.
(2) انظر: القاموس المحيط , ص 1294, مادة (س ر ى) .
(3) انظر: المطلع ص 438.
(4) في المغني 11/ 561 - 562.
(5) في المغني 11/ 562.
(6) الشرح الكبير للدردير 4/ 252.
(7) المهذب 2/ 190,188.
(8) المغني 11/ 561.
(9) 6/ 2488 , في كتاب الحدود , باب الضرب بالجريد والنعال , برقم (6396) .