فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر , فإنه لو مات وديته). ولأنه قطع مستحق مقدر , فلا تضمن سرايته؛ كقطع السارق , ولا يمكن التقييد بسلامة العاقبة؛ لأنه مما لايمكن الاحتراز منه , مما يؤدي إلى سد باب استيفاء القصاص.
وذهب الحنفية [1] إلى أن السراية مضمونة بالدية إذا سرت إلى النفس؛ وذلك لأنه فوت نفسه , ولا يستحق إلا طرفه , فلزمته ديته , كما لو ضرب عنقه , ولأنها سراية قطع مضمون , فكانت مضمونة , كسراية الجناية. وهذا في الحقيقة قياس مع الفارق؛ لأن القصاص في أصله قطع مستحق , والجناية قطع تعد وظلم , فافترقا.
بقي هاهنا مسألة مهمة , وهي أن الجمهور أطلقوا القول بأن السراية هدر, فهل مرادهم أنها هدر مطلقًا , يعني: ولو أمكن الأطباء التنبؤ بها؟ لا سيما في عصرنا الحاضر , حيث إن كثيرًا من عمليات القصاص يستطيع الجراح [2] اليوم أن يتنبأ بما سينجم عنها من مضاعفات بالجاني بعد تنفيذ القصاص , وربما يقطع بها, وأحيانًا يترجح عنده - بما لديه من معطيات طبية حديثة - أن القصاص في هذا الطرف أو في ذاك الجرح سيؤدي إلى مضاعفات معينة, ويترجح لديه ذلك بنسبة (70%) أو (85%) أو أقل أو أكثر , وبناء عليه, فهل تعد هذه المضاعفات من باب السراية المعفو عنها (الهدر) , أم لا؟
بتأمل كلام بعض أهل العلم نجد أن السراية التي قرروا أنها هدر , هي السراية غير المعلومة أو المظنونة , والتي لا يمكن للجراح التنبؤ بها [3] .أما السراية المعلومة أو المظنونة , فهذه ليست هدرًا , لأنها تؤدي إلى إيقاع الحيف بالجاني , وهو مخالف لشرط استيفاء القصاص - كما تقدم تقريره - فلو فرضنا أن رجلًا اعتدى على آخر, فطعنه بسكين , وأتلف إحدى كليتيه , وأخبر الطبيب أو الجراح بأن القصاص في إحدى الكليتين يؤدي إلى وقوع مضاعفات تلحق الضرر بالكلية الأخرى حتمًا أو ظنًا غالبًا , فإنه حينئذ يتعذر القصاص , ولا يقال: إن السراية هدر, مع العلم أو الظن بحدوث المضاعفات , وهذا ما ألمح إليه ابن قدامة [4] , حيث قال:"ويجب القصاص في الأنثيين ... فإن قطع إحداهما , وقال أهل الخبرة: إنه ممكن أخذها مع سلامة الأخرى, جاز. فإن قالوا: لا يؤمن تلف الأخرى, لم تؤخذ خشية الحيف , ويكون فيها نصف الدية. وإن أمن تلف الأخرى , أخذت اليمنى باليمنى , واليسرى باليسرى"أهـ ونحوه قول النووي [5] :"ولو قطع أو أشل إحدى الأنثيين , وقال أهل البصر: يمكن القصاص من غير إتلاف الأخرى , اقتص"أهـ فقول ابن قدامة:"فإن قالوا: لا يؤمن تلف الأخرى"هذه صورة من صور السراية , بأن يؤدي القصاص من إحدى الأنثيين إلى حدوث مضاعفات لا يؤمن معها تلف الأخرى, بل يفهم من عبارة ابن قدامة هذه أن مجرد الشك في السراية كاف في المنع من القصاص. ومن أمثلة السراية المضمونة التي ذكرها الإمام ابن قدامة , قوله [6] :"وإن اختار- المجني عليه ذو اليد الصحيحة - القصاص , سئل أهل الخبرة , فإن قالوا: إنه إذا قطع لم تنسد العروق , ودخل الهواء إلى البدن فأفسده, سقط القصاص؛ لأنه لا يجوز أخذ نفس بطرف"أهـ فنلاحظ هنا أن ابن قدامة منع من القصاص إذا قرر أهل الخبرة والطب أن القصاص في الطرف الأشل يسري إلى البدن فيتلفه , مما يدل على أنه لا يرى أن السراية هدر مطلقًا.
أما إن كان احتمال السراية أو المضاعفات مجرد وهم , فهذا لا يمنع القصاص من الجاني؛ لأنه مما لا يمكن التحرز منه , وهذا ما صرح به الإمام ابن قدامة [7] حيث قال:"وَهَم السراية إلى النفس لا سبيل إلى التحرز منه , فلو اعتبرناه في المنع لسقط القصاص في الأطراف بالكلية , فسقط اعتباره"أهـ. وكلام ابن قدامة هنا صريح في موضوع السراية إلى النفس , وأن السراية لا تمنع القصاص إذا كانت مجرد وهم. أما في موضوع السراية إلى العضو , فإنه أشار إلى الاضطراب الواقع في هذه المسألة, حيث قال:"وأما السراية إلى بعض العضو , فتارة نقول: إنما يمنع القصاص فيها احتمال الزيادة في الفعل , لا في السراية , مثل من يستوفي من بعض الذراع, فإنه يحتمل أن يفعل أكثر مما فعل به ... , وتارة نقول: إن السراية في بعض العضو , إنما تمنع إذا كانت ظاهرة , ومثل هذا يمنع في النفس"أهـ ونستخلص من هذا السياق, أنه في بعض الأحيان يحكم بأن السراية إلى
(1) بدائع الصنائع 7/ 305.
(2) الجراح هو: الطبيب الذي يجري العمليات الجراحية , وقد سمي جراحًا لاعتماد عمله على إحداث جروح في البدن ومعالجة المرض بالمشرط. الموسوعة الطبية الفقهية صـ241.
(3) هذا هو الأصل في السراية أنها تقع فجأة بحيث لا يمكن التكهن بها , ولهذا أطلق الفقهاء أنها هدر؛ لئلا يؤدي مراعاتها إلى إسقاط القصاص , حتى في عصرنا الحاضر يشق في أكثر الأحيان التنبؤ بالمضاعفات , ولهذا عرّف الأطباء المعاصرون مضاعفات المرض بأنها: اضطرابات قد تكون مزعجة وغير متوقعة , ومن أمثلة هذه المضاعفات: حدوث نزيف في المعدة على أثر إصابتها بالقرحة. المعجم الموضوعي للمصطلحات الطبية صـ36.
(4) في المغني 11/ 546.
(5) في الروضة 9/ 195
(6) في المغني11/ 571.
(7) في المغني 11/ 555.