الصفحة 26 من 39

العضو هدر مطلقًا - بخلاف الزيادة في الفعل فإنها تمنع من القصاص ولو كانت يسيرة - وفي أحيان أخرى يحكم بأن السراية ليست هدرًا إذا كانت ظاهرة. وقوله:"ظاهرة"أي: غير خفية , وهي تحتمل أحد معنيين: إما السراية الكثيرة , وإما السراية المعلومة أو المظنونة؛ لأن ما يقابلهما وهي السراية اليسيرة والسراية الموهومة , كلاهما مما لا يمكن التحرز منه , ويؤدي اعتبارهما في النهاية إلى إسقاط القصاص بالكلية , لاسيما أن الطب الحديث يؤكد أن جميع أنواع القصاص , بما فيه القصاص من طرف ينتهي إلى مفصل , ومن جرح ينتهي إلى عظم , أنها جميعًا لا تخلو غالبًا من احتمال مضاعفات بالمقتص منه , مع أن هذه الصور مما أجمع أهل العلم على وجوب القصاص فيها , ولا يرجع فيها إلى أهل الطب , وهذا يؤكد كلام ابن قدامة - رحمه الله- المتقدم , وهو أن وهم السراية إلى النفس لا سبيل إلى التحرز منه , فلو اعتبرناه في المنع لسقط القصاص في الأطراف بالكلية.

وخلاصة ما تقدم: أن الأصل في السراية - وهي المضاعفات - أنها هدر , كما أطلق ذلك جمهور الفقهاء؛ وما ذاك إلا لأنها في الغالب لا يمكن التنبؤ بها , لا سيما في العصور الغابرة, ولو قيل بأنها مضمونة لأدى ذلك إلى إسقاط القصاص بالكلية , ولكن مع تقدم الطب الحديث أصبح بالإمكان التنبؤ ببعض المضاعفات بنسبة معينة أو قريب منها , فإذا قطع الجراح أو غلب على ظنه أنه سيقع بالمقتص منه بعض المضاعفات , فإنه يمنع حينئذ من القصاص؛ لأنه يؤول في النهاية إلى إيقاع الحيف بالجاني , وهو ما منعه الشارع الذي حرم الظلم , وأوجب العدل , وشرع القصاص الذي يفهم منه وجوب المماثلة. أما إن كانت المضاعفات موهومة , أي مجرد احتمال , فإنها لا تمنع من القصاص؛ لما يؤدي إليه هذا الاحتمال من إسقاط القصاص , كما تقدم. ويبقى ما إذا كانت محل شك وتردد لدى الجراح , بحيث تكون نسبة وقوعها (50%) تقريبًا , فإنها في الحقيقة محل إشكال , وظاهر عبارة ... ابن قدامة في القصاص من الأنثيين:"فإن قالوا: لا يؤمن تلف الأخرى , لم تؤخذ خشية الحيف"أن السراية إذا كان مشكوكًا فيها فإنها تمنع من القصاص , ويمكن أن يستأنس في هذا بحديث عائشة رضي الله عنها , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم , فإن كان له مخرج فخلوا سبيله؛ فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) أخرجه الترمذي [1] , والله تعالى أعلم.

(1) 4/ 33 , في كتاب الحدود , باب ما جاء في درء الحدود , برقم (1424) , قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (4/ 56) :"وفي إسناده يزيد بن زياد الدمشقي, وهو ضعيف, قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك"أهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت