الصفحة 35 من 39

المبحث الثاني

ما عليه العمل في محاكم المملكة

إن الناظر في القضايا الصادرة من المحاكم , والمصدقة من هيئة التمييز , يجد أن العمل قد جرى في محاكم المملكة على القصاص من كل جناية أمكن القصاص فيها بلا حيف , حيث يستفسر قاضي المحكمة من الجهة الطبية ذات الاختصاص عن مدى إمكان القصاص بلا حيف, فإن أجيب القاضي بإمكانه بلا حيف حكم به , وإلا حكم بالدية أو بالدية مع الأرش ... الخ , وهذا كله بعد أن يبذل القاضي جهده أولًا بالصلح بين الجاني والمجني عليه؛ طلبًا للعفو , وتفاديًا للقصاص, وهذه الإجراءات القضائية كلها تتفق مع التوجيهات الربانية الكريمة التي تتشوف للعفو , وإلى تحقيق العدل بين المتخاصمين.

وحيث إن قاضي المحكمة يبذل جهده في كل قضايا القصاص للصلح بين الجاني والمجني عليه مجانًا , أو على مال يدفع للمجني عليه , وغالبًا ما يتكلل جهد القاضي بالنجاح والرضا بين المتخاصمين؛ لذا نجد قضايا تنفيذ القصاص فيما دون النفس قليلة , بل نادرة جدًا , فمع كثرة قضايا الجناية فيما دون النفس , تمر الشهور بل السنون دون أن يكون هناك حكم واحد بالقصاص , وبعد طول بحث وسؤال في المحكمة العامة بالرياض , لم أقف إلا على قضايا يسيرة حكم فيها بالقصاص ... فيما دون النفس , ومنها هذه القضية , والتي يظهر فيها جليًا اعتماد القضاة ناظري القضية على رأي الطب في جنايات عدة وقعت على بدن المجني عليه [1] , وملخص هذه القضية.

أن أحد المقيمين بالمملكة تحرش به آخر تحرشًا جنسيًا في مقر السكن الذي يقيمان فيه جميعًا , فحنق هذا المتحرش به , واشترى مادة كيميائية حارقة (الأسيد) ثم توجه إلى الغرفة التي ينام فيها المجني عليه , فسكب عليه مادة الأسيد على وجهه وجسده , متعمدًا قتله وإحراقه, كما أقر بذلك أمام القضاة , فنتج عن ذلك , كما في التقرير الطبي رقم (12279/ 4113) وتاريخ 14/ 8/1423 هـ ما نصه:"تعرض لحروق عميقة وشديدة من مادة كيماوية ... تركت ورائها تشوهات شديدة مما نتج"

(1) هذه القضية زودني بها صاحب الفضيلة الشيخ عبدالعزيز بن إبراهيم بن قاسم - حفظه الله - أحد قضاة المحكمة , الذي غمرني بمعروفه , وكريم خلقه , وجميل حفاوته , جعل الله ذلك في ميزان حسناته , آمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت