المبحث الرابع
موقف الفقهاء المعاصرين من مفهوم الأمن من الحيف
للفقهاء المعاصرين اتجاهان حول هذه المسألة:
الاتجاه الأول: من تناول هذه المسألة كما تناولها فقهاؤنا السابقون فأمرّها كما جاءت , وحدّد الصور التي يمكن القصاص فيها بلا حيف كما حدّدها الفقهاء في ذلك الزمن الغابر, ومن هؤلاء الشيخ عبدالرحمن السعدي في كتابه إرشاد أولي البصائر [1] ومفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم في مجموع فتاواه ورسائله [2] والأستاذ عبدالقادر عودة في كتابه القيم التشريع الجنائي [3] والأستاذ السيد سابق في فقه السنة [4] والدكتور وهبة الزحيلي في الفقه الإسلامي وأدلته [5] , وهذا الاتجاه في تناول هذه المسألة في كتبهم لا يمثل في الحقيقة رأيهم الشخصي حول هذا الموضوع؛ لأنهم لم يتطرقوا صراحةً للأثر الطبي في هذه المسألة, وإنما حكوا الخلاف كما هو في كتب الفقهاء.
الاتجاه الثاني: من رأى أن الطب الحديث قد تقدم تقدمًا يرشحه لاستيفاء القصاص بلا حيف في كثير من المواضع التي لم يكن الطب القديم حينها قادرًا على استيفائه بالشرط المذكور , مما استدعى وجوب إعادة النظر في القصاص من بعض الجراح وفق ما يقرره أهل الطب والاختصاص , وممن قرر هذا القول وأكده في أكثر من موضع, الشيخ محمد بن عثيمين في شرحه الممتع [6] حيث علق على مسألة القصاص من غير مفصل بقوله:"القول الراجح في هذه المسألة أنه إن أمكن القصاص من موضع القطع فعل, وإن لم يمكن أخذ من أدنى مفصل , وللمجني عليه أرش الزائد"أهـ بل جزم بأن الطب الحديث يمكنه القصاص من كل جناية بلا حيف, حيث قال [7] :"والآن بسبب تقدم الطب يمكن أن نستوفي بلا حيف من أي مكان"
(1) ص 285.