الصفحة 21 من 39

لأمر بالضرب والسجن .."أهـ فإذا وجب القصاص في الضرب بالعصا, والقرن- كما هو نص هذا الحديث - ونحو ذلك مما يشق فيه المماثلة, ففي غيره أولى مما يمكن فيه المماثلة بوسائل الطب الحديثة."

5 -... أن القصاص إنما شرع تحقيقًا للعدل بين الناس, ورفعًا للظلم, وزجرًا للجناة , والقول بوجوبه مع امكان المماثلة يحقق هذه الحكمة من مشروعيته , ويضيق دائرة الجريمة في المجتمع , وهذا ما ألمح إليه الدكتور اللاحم حيث قال [1] :"وما ذهب إليه مالك أرجح؛ للعمومات المثبتة للقصاص , ولأنه يتمشى مع الحكمة التي شرع القصاص من أجلها؛ لأن في إسقاط القصاص لخوف الحيف على الجاني - بالمعنى الذي يأخذ به الجمهور- فتحًا لباب الشر, ومساعدة على العدوان , وذلك بسبب تضييقهم لدائرة القود , إذ لا يعجز المجرم أن يقطع من غير مفصل, أو لا يوصل السكين إلى عظم , أو يكسر عظام رجليه ويديه , ثم يقال: لا قصاص , لخوف الحيف!"أهـ هذا مع فرض كون المجرم فقيهًا , بحيث يدرك كلام الفقهاء في هذه المسألة , ويستحضره أثناء قيامه بالجريمة! ولكن هاهنا ملحظ آخر , وهو أنه من المستبعد جدًا أن يقطع الجاني العظم من مفصل , إلا على ضرب فرضي في صورة الإجرام , وذلك بأن يقبض جماعة على شخص , فيكبلوه بحيث لا يستطيع حركة ما , ثم يأخذ أحدهم سكينًا , وبهدوء يشبه هدوء الطبيب الجراح , يرتكب الجناية ويقطع المفصل , متحرزًا أشد التحرز!! أو يكون الجاني على درجة كبيرة من المهارة والدقة , بحيث يتحقق شرط القصاص , على ذلك القول [2] .

وحيث إن القول بمشروعية استيفاء القصاص في الأطراف التي لا تنتهي إلى مفصل أو حد, وفي الجروح والشجاج التي لا تنتهي إلى عظم, حيث إن القول به خاضع لما توصل إليه الطب الحديث من تقدم في علم الجراحة وبتر الأعضاء , لذا فإنه لا بد من الرجوع إلى أهل الاختصاص , والوقوف على رأيهم في ذلك- كما سأبينه في الفصل الآتي- وهذا ما ذهب إليه كثير من المعاصرين.

(1) في كتابه الجناية على ما دون النفس, ص 186.

(2) انظر: الإسلام عقيدة وشريعة, ص 381.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت