الصفحة 1 من 45

تأليف:

عبد الله بن ناصر بن عبد الله السدحان

1421 هـ

الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه ...

تتمايز الحضارات البشرية بمقدار ما تملكه من رصيد إنساني وأخلاقي تقدمه للبشرية، ولقد بلغت الحضارة الإسلامية الذروة في ذلك ولم تقتصر على الإنسان فحسب، بل تجاوزته إلى الحيوان، يحدوها في ذلك قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته (( رواه مسلم) (1) ، ولقد اتسمت الحضارة الإسلامية بخصائص تتفق وطبيعة روح الإنسان وفطرته باعتباره مخلوقًا متميزًا في هذا الكون، فالطابع الخيري لها يمثل ركنًا ركينًا وأساسًا متينًا لها، ولا يمكن النظر إلى تاريخ الأمة الإسلامية بمعزل عن هذه السمة التي اتصف بها المجتمع المسلم أفرادًا وجماعات، حكامًا ومحكومين.

ولقد فتح الإسلام منابع عديدة لنفع الآخرين، فمنها ما هو واجب كالزكاة والكفارات والنذور ... وهذه لا حديث عنها باعتبارها واجبًا لازمًا على المسلم، ومن المنابع ما هو ذو طابع تطوعي بحت لا ملزم للمسلم ولا مكره له فيه، مثل الصدقات التطوعية والوقف، فالمسلم حين يتنازل عن حر ماله طواعية فهو يتمثل الرحمة المهداة في الإسلام للبشر أجمع ويتحرر به من ضيق الفردية والأنانية، متجاوزًا الأنا إلى الكل شاملًا المجتمع بخيرية الفرد وبانيًا الجسد الواحد بكرم العضو، وهذا التفاعل تحقيقًا لحديث الرسول (الذي حدد فيه دور الفرد المسلم تجاه مجتمع المسلمين في الحديث الذي يرويه النعمان بن بشير ـ رضي اللَّه عنهما ـ أن رسول اللَّه (قال: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى (( رواه البخاري) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت