كما اعتنى الواقفون بمواعيد الدراسة وأيامها وأوقاتها، وتحديد ما يتم تدريسه في كل فترة ومرحلة عمرية، وجعل أيام يرتاح فيها الأيتام من كل أسبوع، ومن ذلك ما ورد في وثيقة السلطان (قايتابي) حيث ذكر فيها (( أن الأيتام يستمرون في أيام حضورهم بالمكتب من طلوع الشمس إلى وقت العصر فينصرفون حينئذ. وقبل انصرافهم يقرءون سورة الإخلاص والمعوذتين وفاتحة الكتاب والصلاة على النبي(ويدعون ماعدا يوم الخميس من كل جمعة فإنهم يستمرون بالمكتب إلى الظهر ويوم الجمعة بطالتهم ــ أي عطلتهم ــ؛ وكذلك أيام الأعياد والمواسم والأعذار الشرعية على العادة ) ) (39) .
ولم تتوقف الرعاية الشاملة لهم حتى عند غيابهم عن المكاتب، وامتدت الرعاية حتى بعد انتهائهم من المكتب ببلوغهم البلوغ الشرعي أو الانتهاء من حفظ القرآن، حيث يُقام لليتيم احتفال كبير يسمى (الإصرفه) فيركبون الصبي على فرس أو بغلة مزينة ويسير بين يديه بقية صبيان المكتب ينشدون طوال الطريق إلى أن يوصلوه إلى بيته، ويصرف له مبلغ من المال ليستعين به على معيشته بعد مغادرة المكتب، كما يصرف لمؤدبه مبلغًا إضافيًا على مرتبه مكافأة له على جهده مع اليتيم الذي تخرج من المكتب (40) .
وإن كان ما ذكر آنفًا يعبر عن مرحلة تاريخية امتدت حتى القرن العاشر الهجري فمما لاشك فيه أن هناك غير هذه الشواهد في فترات تاريخية متعددة تؤكد وجود مثل هذه العناية والرعاية الاجتماعية للأيتام من خلال الأوقاف.
ولعل ما يلزم الإشارة إليه أن دار الأيتام القائمة حاليًا في المدينة المنورة تُعد من الأوقاف التي أنشأها حجاج القارة الهندية قبل أكثر من ستين عامًا لأيتام المدينة النبوية، حين كانت البلاد السعودية في بداية نشأتها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.