كما وجدت أوقاف خاصة لتخليص السجناء ووفاء ديونهم، وفكاك أسرى المسلمين، كما وجدت أوقاف خيرية تنفق على أسر السجناء وأولادهم، حيث يقدم لهم الغذاء والكساء وما يحتاجونه من أمور أخرى (71) . وعلاوة على الصرف على المساجين وعوائلهم من أموال الوقف كان هناك بعض الأوقاف مخصصة للصرف على الفقهاء بشرط أن يؤموا المساجين أوقات صلواتهم، وأن يدرسوا ويفقهوا السجناء ويقودونهم في حياتهم العملية ليخرج هؤلاء من السجن وقد أتقنوا علمًا من العلوم أو حرفة من الحرف (72) . وهذا ما يسمى في الوقت الحاضر بـ ( الرعاية اللاحقة ) ، وهي الرعاية التي تقدم للسجين وأسرته في أثناء سجنه، حتى لا يعود إلى الانحراف مرة أخرى، وحتى لا ينحرف أحد أفراد أسرته بسبب غيبته عنهم وعدم وجود الولي والرقيب عليهم.
8-شيوع روح التراحم والمعاملة بالحسنى بين أفراد المجتمع، وهذا يؤدي إلى مزيد من التماسك المجتمعي، ويتضح ذلك في أثر الوقف الاجتماعي بشكل عام لشعور الفئة المستفيدة من الوقف برحمة الآخرين لهم، بالإضافة إلى اشتراط الواقف صفات خاصة فيمن يباشر صرف غلة الوقف، وبخاصة في الأسبلة، حيث يرد في الوثائق الوقفية أن يعامل متولي توزيع المياه من السبيل الناس بالحسنى والرفق ليكون أبلغ في إدخال الراحة على الواردين، وهذا الشرط أصبح من التقاليد المرعية في جميع الوثائق الوقفية في العصر المملوكي (73) . ولاشك أن هذه القيمة الأخلاقية موجودة في المجتمع ولكن مثل هذه الشروط الوقفية تعمل على تعزيزها بطرق مباشرة وغير مباشرة، وبخاصة إذا علمنا ضخامة الأوقاف في العصور السابقة.