الصفحة 3 من 45

وينظر كثير من الباحثين إلى نظام الوقف وتبني أفراد الأمة المسلمة له باعتباره أحد الأسس المهمة للنهضة الإسلامية الشاملة بأبعادها المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية، وأن هذا النظام كان وراء بروز الحضارة الإسلامية وليست الدول الإسلامية المتعاقبة والخزائن السلطانية (3) . ويرى (يحي جنيد) أن الوقف هو بؤرة النهضة العلمية والفكرية العربية والإسلامية على مدار القرون (4) . لذا فقد اتجهت الأنظار مرة أخرى إلى الوقف بعد تغييب دوره العظيم لعقود طويلة باعتباره البذرة الصحيحة لبداية النهضة الشاملة لجميع مجالات الحياة في الأمة المسلمة، ولعل من المبشرات في ذلك أن الندوات عن الوقف أخذت تترى على امتداد العالم الإسلامي، فما أن تختم ندوة إلا وتبدأ ندوة أخرى، وبين الندوتين تتناقل الأخبار إجراء دراسة علمية أو مسابقة بحثية عن الوقف ودوره في الحياة.

ولا شك أن البداية الصحيحة لعودة الوقف إلى مكانه الفاعل في دولاب العجلة التنموية الشاملة هو إثارة الشعور واستنهاض الهمم نحو تجلية حقيقته والدور الذي قام به سابقًا، وما هذه الندوات التي يتم تنظيمها إلا حلقة ضمن الحلقة المتواصلة لإعادة نظام الوقف الشامل إلى بنية الأمة المسلمة كما كان سابقًا.

وسيحاول هذا البحث الإشارة إلى شيء من ذلك وتوضيح الأثر الاجتماعي للوقف والدور الذي أداه في حياة المجتمعات الإسلامية على مر العصور السابقة، وإبراز سمات التكاتف والتعاضد التي تفرَّد المجتمع المسلم وتميّزه بها عن غيره من المجتمعات، مع الإشارة إلى دور الأوقاف في مجال الرعاية الاجتماعية عبر القرون الماضية، وذلك بذكر نماذج منها. وغني عن القول أن البداية ستكون مدخلًا لوضع الوقف بشكل عام وتعريفه وأهدافه وتطوره دون التوسع الفقهي فيه وترك ذلك للمتخصصين الشرعيين. وسيكون البحث وفق المحاور الآتية:

أولًا: الوقف في الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت