3-يتمتع نظام الوقف في أحكامه بمرونة تمكن الواقف من توقيت الوقف بوقت معين ـ كما هو جائز عند المالكية ـ وفق ظروف عائلية معينة يعيشها الواقف تحتم عليه مثل هذا التوقيت في الوقف وعدم تأبيده، وبخاصة أن الذي ورد في السنة حول الوقف هو حكم إجمالي عام في أن يحبس أصل الموقوف وتسبيل ثمرته كما في حديث عمر ( المتقدم(( أما تفاصيل أحكام الوقف المقررة في الفقه فهي جميعًا اجتهادية قياسية للرأي فيها مجال، غير أن الفقهاء أجمعوا فيها على شيء: هو أن الوقف يجب أن يكون قربة للَّه تعالى ) ) (18) .
لأجل ذلك لا عجب أن نرى ذلك الإقبال الكبير من لدن أفراد المجتمع المسلم ـ حكامًا ومحكومين ـ على الوقف وتحبيس جزء كبير من أملاكهم لأعمال الخير، وقدوتهم في ذلك نبيهم محمد عليه الصلاة والسلام، في قصة مخيريق السابق ذكرها، ثم صحبه الكرام، (( فقد وقف مجموعة من أصحاب النبي ( منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ، والزبير بن العوام ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت، وعائشة ، وأم سلمة ، وصفية زوجات الرسول(، وأسماء بنت أبي بكر ، وسعد بن أبي وقاص ، وخالد بن الوليد ، وجابر بن عبد اللَّه وغيرهم ) ) (19) ، ومن بعدهم من التابعين وتابع التابعين، ومن بعدهم من المسلمين، ولعل خير مثال يذكر في ذلك القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، فلقد أنفق أمواله كلها على جهات البر الاجتماعية وملأ بلاد الشام ومصر بالأوقاف الخيرية من مساجد ومدارس ومستشفيات وأربطة وغيرها دون أن يسجل على واحدة منها اسمه، هذا غاية ما يكون التجرد عن حظوظ النفس في أعمال البر والخير (20) .