ونظام الوقف باعتباره نظامًا خيريًا موجود منذ القدم بصور شتى، ولن ندخل في إشكالية هل كان موجودًا في الحضارات السابقة كما هو الآن ،أم كان في صورة أخرى ، ومن المؤكد أن نظام الوقف في الإسلام بشكله الحالي يبقى خصوصية إسلامية لا يمكن مقارنته بصور البر في الحضارات أو الشعوب الأخرى، وهذا عائد إلى عدة أمور:
أ )…التعلق الشعبي به وامتداد رواقه ومظلته إلى أمور تشف عن حس إنساني رفيع.
ب)…لم يحض الوقف لدى الحضارات الأخرى بالاجتهاد التشريعي التفصيلي على وجه يصون عين الوقف ويحفظ كيانها كما هو في الإسلام (14) .
جـ) عدم اقتصار الوقف على أماكن العبادة كما هو في الأديان السابقة، بل امتد في نفعه إلى عموم أوجه الخير في المجتمع.
د )…شمول منافع الوقف حتى على غير المسلمين من أهل الذمة، فيجوز أن يقف المسلم على الذمي لما روي أن صفية بنت حيي ـ رضي اللَّه عنها ـ زوج رسول اللَّه ( وقفت على أخ لها يهودي(15) .
ويتميز الوقف عن أي مشروع خيري بخصائص وميزات متعددة قد لا توجد في المشاريع الخيرية الأخرى، وهذه المزايا أكسبته تلك الحيوية التي استمر أثرها في الأمة الإسلامية على مدى قرون طويلة، ومن هذه المزايا:
1-أن الإسلام منح الواقف الحرية الكاملة في الكيفية التي يرغب بها في التصرف فيما يوقفه من أموال والشروط التي تلبي رغباته وتحقق آماله فيما يوقف، وكل ذلك فيما هو في حدود الشرع (16) وفق القاعدة الفقهية (شروط الواقف كنصوص الشارع ) ما لم تخالف نصوص الشارع ، وإلا فهي كما قال ابن القيم ـ رحمه اللَّه ـ: (( ويجوز بل يترجح مخالفة شروط الواقف إلى ما هو أحب إلى اللَّه ورسوله وأنفع للواقف والموقوف عليه ) ) (17) .
2-دوام الأجر وعدم انقطاعه طالما بقيت العين الموقوفة نافعة، بل قد يزيد هذا الأجر بزيادة منفعة العين الموقوفة إذا أحسن القائمون على الوقف إدارته واستثماره وفق ظروف كل عصر يمر عليه .