من المحظورات والتكلف في السجع والتلحين والتطريب في دعاء القنوت هو مما أحدثه الناس في هذه العبادة، والأصل في الدعاء أن يكون متذللًا خاشعًا لا تكلّف فيه ولا تصنُّع.
قال الكمال بن الهمام - رحمه الله تعالى-:
"مما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتهار لتحريرات النغم إظهارًا للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية فإنه لا يقتضي الإجابة، بل هو من مقتضيات الرد؛ فاستبان أن ذلك من مقتضيات الخيبة والحرمان" (فيض القدير 1/ 229) .
وقال:"ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال، وما ذاك إلا نوع لعب، فإنه لو قدر في الشاهد مسائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني نسب البتة إلى السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني".
وجاء في (تصحيح الدعاء للشيخ بكر أبو زيد ص 83) :
"فتسمع في دعاء القنوت عند بعض الأئمة في رمضان الجهر الشديد وخفض الصوت ورفعه في الأداء حسب مواضع الدعاء، والمبالغة في الترنم، والتطريب والتجويد، والترتيل، حتى لكأنه يقرأ سورة من كتاب الله - تعالى - ويستدعي بذلك عواطف المأمومين؛ ليجهشوا بالبكاء".
وقال:"التلحين والتطريب والتغني والتقعر والتمطيط في أداء الدعاء منكر عظيم ينافي الضراعة والابتهال، والعبودية، وداعية للرياء، والإعجاب، وتكثير جمع المعجبين به."
وقد أنكر أهل العلم على من يفعل ذلك في القديم والحديث.
فعلى من وفقه الله - تعالى - وصار إمامًا للناس في الصلوات، وقنت في الوتر أن يجتهد في تصحيح النية، وأن يُلقي الدعاء بصوته المعتاد، بضراعة وابتهال، متخلصًا مما ذُكر، متجنبًا هذه التكلفات الصارفة عن التعلق بربه" (ص469) ."
وفي الغالب أن التلحين والتطريب في الدعاء يكون مصحوبًا برفع الصوت، وقد عرف رفع الصوت قديمًا باسم"التقليص"، وقد أنكره الأئمة المتقدمون. (الحوادث والبدع، للطرطوشي ص155) "نقلًا عن (بدع القراء للشيخ بكر أبو زيد ص 15، 16، وتصحيح الدعاء ص82) ."
وقد أنكر النبي _صلى الله عليه وسلم_ على أصحابه رفع الأصوات بالدعاء كما ثبت ذلك عنه في حديث أبي موسى _رضي الله عنه_ أنه قال:"كنا مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فكنا إذا علونا على شرف كبرنا فارتفعت أصواتنا، فقال:"يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا إنما تدعون سميعًا قريبًا إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته""
وقال ابن جريج - رحمه الله-:
"يكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة" (تفسير الطبري10/ 249) .
وينظر في هذه المسألة الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (15/ 19) ،و (المجموع للنووي 8/ 136) .
وقال الألوسي في (روح المعاني 8/ 139) :
"وترى كثيرًا من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء خصوصًا في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد وتستك المسامع وتشتد ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين، رفع الصوت في الدعاء وكون ذلك في"