يتطرق الفقهاء المتقدمون في كتبهم لمسألة حرز السيارات؛ لأنها لم تكن قد وجدت آنذاك، وإنما تطرّقوا لحرز بعض الأشياء التي كانت تقوم - في عهدهم - مقام السيارات الآن؛ كحرز الإبل، وحرز السفن، وفصّلوا الكلام في حكم سرقة الإبل وسرقة السفن، وحكم السرقة منها، وحرز كل منها.
والحقيقة أننا بحاجة إلى بيان حرز السيارات نظرًا لما نلحظه من كثرة السرقات الواقعة عليها؛ فهل يُقال: إن السيارات تأخذ حكم الإبل أو السفن من جهة الإحراز وعدمه، أم أن لها حكمًا آخر؟
ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن السيارات تأخذ حكم الإبل في الإحراز وعدمه (40) ، ولعل من ذهب إلى هذا نظر إلى أن السيارات الآن لما قامت مقام الإبل في التنقل وحمل الأثقال، ونحو ذلك؛ فإنها تأخذ حكمها؛ لأن البدل يأخذ حكم المبدل.
وبناءً على هذا الاتجاه - وقياسًا على ما ذكره الفقهاء في حرز الإبل - فإن حرز السيارات الواقفة داخل العمران يكون - على مذهب الحنفية والمالكية - هو وجودها في مكانها المتعارف على وضعها فيه، سواء أكانت داخل الدار أم في الطريق أم في مكانها المعدّ لبيعها في السوق، أم في الأماكن المعدّة لها عمومًا؛ كمواقف السيارات.
وإذا أوقفت السيارة في مكان غير متعارف على وضعها فيه؛ كأن تكون عند المسجد أو في السوق في غير المكان المعدّ لها فإنها تكون غير محرزة.
أما إذا كانت خارج العمران فإنها لا تكون محرزة إلا بالحافظ.
أما بناءً على مذهب الشافعية والحنابلة فإن السيارة لا تكون محرزة إلا بحافظ؛ فإذا كانت مقفلة؛ فيكتفى بالحافظ ولو كان نائمًا.
هذا بناءً على ما تقدم بيانه من نوعي الحرز، وهما: الحرز بالمكان والحرز بالحافظ، وما يترتب على كل منهما من أحكام.
والذي يظهر - والعلم عند الله تعالى - أن قياس السيارات على الإبل في طريقة إحرازها فيه بُعد؛ ذلك لأن السيارات وإن كانت بديلًا عن الإبل في بعض الاستخدامات إلا أنها تختلف عنها وتفارقها في أمور كثيرة من أهمها:
أولًا: أن الإبل يمكن سرقتها بمجرد فكّ عقالها إن كانت معقولة ثم قيادتها، بخلاف السيارة فهي تحتاج لفتح قفل بابها، ومن ثم تشغيلها وإدارة محركاتها، وهذا وذاك لا يكونان إلا بمفتاح، ثم إن كل سيارة لها مفتاح خاص بها.
ثانيًا: إن عادة الناس في هذه الأيام في إحراز السيارات تختلف عن عادتهم- في هذه الأيام كذلك- في إحراز الإبل؛ فكل منهما له طريقة معينة في الحفظ والإحراز فدلّ على التفاوت بينها.
ثالثًا: إن الحرز إنما يعتبر بالعادة، وعادات الناس تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة -كما سبق بيانه- وتختلف كذلك باختلاف المال المحرز، بل إن السيارات فيما بينها قد تختلف أحرازها باختلاف الزمان والمكان؛ فإذا جاز اختلافها فيما بينها؛ فإن اختلافها عن الإبل من باب أولى.
فإذا تبيّن بُعد قياس السيارات على الإبل في الإحراز؛ فإن الأقرب أن يقال:
إن حرز السيارات إنما يعتبر بالعرف والعادة التي درج عليها الناس في ذلك البلد وذلك الزمان؛ فما عدّه الناس حرزًا لمثل هذه السيارة حُكِم بأنه حرز لها، وما عدّه الناس أنه ليس بحرز حُكِِم به كذلك؛ أخذًا بالقاعدة الفقهية المشهورة: (القاعدة مُحَكَّمة) (41) .
وقد أكّد الفقهاء -رحمهم الله تعالى- قديمًا على هذا المعنى فيما يتعلق بخصوص الحرز، ومن ذلك قول الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى-:
"وانظر إلى المسروق فإن كان في الموضع الذي سرق فيه تنسبه العامة إلى أنه في مثل ذلك الموضع محرز فاقطع فيه، وإن كانت العامة لا تنسبه على أنه في مثل ذلك الموضع محرز فلا يقطع فيه" (42) .
وقال:"الأحراز تختلف فيحرز بكل ما يكون العامة تحرز به" (43) .
ويقول ابن قدامة -رحمه الله تعالى-:
"والحرز ما عُدَّ حرزًا في العرف؛ فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه؛ عُلِم أنه ردّ ذلك إلى أهل العرف؛ لأنه لا طريق إلا معرفته إلا من جهته؛ فيرجع إليه، كما رجعنا إليه في معرفة القبض والفرقة في البيع وأشباه ذلك" (44) .
وبهذا يتبين أن المحكم في ضبط حرز السيارات إنما هو العرف، وذلك للأمور التالية:
أولًا: أن الشارع أثبت اعتبار الحرز في وجوب القطع من غير تنصيص على بيانه؛ فعُلِم أنه ردّ على عرف الناس فيه؛ فيؤخذ به في حرز السيارات.
ثانيًا: أن الرجوع في ضبط الحرز إلى العرف هو في حقيقته رجوع إلى الشرع، فإن الشرع ما ترك التحديد إلا أن الحرز لا ينضبط (45) .
ثالثًا: أن ضبط حرز السيارات بضابط محدد غير العرف لا يمكن؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان، واستتباب الأمن وضعفه، ويختلف كذلك باختلاف أنواع السيارات واختلاف استخداماتها.