الصفحة 251 من 431

وبهذا يتبين أن ضابط الحرز في السيارات هو العرف، ولكن ينبغي أن ينضم على ذلك ضابط آخر وهو عدم حصول التفريط في إحراز السيارة؛ لأن التفريط في الإحراز يضعفه؛ إذ الحرز في اللغة يدل على الحفظ والصيانة عن الأخذ (46) ، والتفريط يضاد ذلك.

ولذا فسّر بعض الفقهاء المُحرز بأنه لا يُعدّ صاحبه مضيِّعًا (47) ، وقال الماوردي -بعد بيانه للحرز وأنه يختلف باختلاف المُحرَزات-:

".. وجملة ذلك اعتبار شرطين: العرف، وعدم التفريط (48) ."

والذي يظهر أنه لا بُدّ من اعتبار هذين الشرطين في حرز السيارات، والله _تعالى_ أعلم.

المبحث الرابع: أحكام السرقة المتعلقة بالسيارات وفيه مطلبان:

المطلب الأول: سرقة السيارة نفسها.

المطلب الثاني: السرقة من السيارة.

المطلب الأول: سرقة السيارة نفسها.

سرقة السيارات من الجرائم التي كثرت وفشت في هذه الأيام، وما زلنا نسمع ونقرأ ما بين آونة وأخرى أخبارًا تترى عن سرقة السيارات حتى أصبح كثير من الناس لا يستغرب إذا ما قرأ أو سمع بنبأ سرقة سيارة في مكان ما، ولا ريب أن لهذه الجريمة أسبابًا وأغراضًا متعددة ليس هذا هو مقام بحثها، إلا أنها تعود في مجملها إلى ضعف الإيمان ونقص الوازع وكثرة المفسدين ووسائل الإفساد،

والذي يسبر الواقع يجد أن سرقة السيارات قد أخذت صورًا عديدة، أذكر فيما يلي أهمها، مع أن البحث سيكون متوجّهًا إلى سرقة سيارات النقل الخاصة؛ إذ إن غالب السرقة تقع عليها - كما هو ملاحظ- ومن أهم تلك الصور ما يلي:

أولًا: سرقة السيارات من عند المنازل.

اعتاد الناس في هذه الأزمنة إيقاف سياراتهم الخاصة أمام منازلهم، وقليل هم أولئك الذين لديهم مواقف خاصة لسياراتهم داخل سور المنزل، والذين لديهم تلك المواقف قد لا يداومون على إدخال سياراتهم فيها، وعلى كل حال فإن الأمر لا يخلو من حالتين:

الحالة الأولى: أن تكون السيارة موقفة داخل سور المنزل وأبوب السور مغلقة:

ففي هذه الحالة تكون السيارة مُحرزة، ومن سرقها فقد سرقها من حرزها، سواء أكانت السيارة أبوابها مغلقة أم مفتوحة، وسواء كان عندها حافظ - أي: حارس وضع لحراستها- أم لا، وهذا بناءً على ما قرره الفقهاء من أن الدور والبيوت والحظائر تعد حرزًا بنفسها إذا كانت أبوابها مغلقة، وهذا عند فقهاء الشافعية والحنابلة الذين يشترطون في الحرز بنفسه -كالبيوت والحظائر والحوانيت- أن تكون أبوابه مغلقة؛ فإن كان المكان غير مغلق بأن كان مفتوحًا أو ليس له باب فإنه لا يعد حرزًا بنفسه.

وأما على قول فقهاء الحنفية والمالكية فإن إخراج السيارة من داخل السور يعد إخراجًا لها من حرزها، ويترتب عليه حدّ القطع، سواء أكان باب السور مغلقًا أو مفتوحًا.

والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم- أنه إذا كان باب السور مغلقًا؛ فهو حرز لها، وإخراج السيارة بعد ذلك هو إخراج لها من حرزها يستوجب حدّ القطع، وينبغي ألاّ يكون ذلك محل خلاف.

إما إذا كان باب السور مفتوحًا أو متهدمًا أو لا باب له؛ فإننا ننظر إلى حال السيارة؛ فإن كانت أبوابها مغلقة فهي مُحرزة - كما سيأتي بيانه في الحالة الثانية- وإن كانت غير مغلقة؛ فالذي يظهر أن الإحراز هنا ناقص، والقاعدة أن"النقصان في الحرزية يمنع من وجوب القطع" (49) .

الحالة الثانية: أن تكون السيارة موقفة أمام المنزل:

وهذا حال أغلب الناس في هذه الأيام، ومع ذلك فإن السيارة الواقفة أمام المنزل لا تخلو من حالتين:

الحالة الأولى: أن تكون مطفأة المحرِّك، مغلقة الأبواب؛ فالذي يظهر لي أن السيارة في هذه الحالة محرزة، وأن من سرقها من هذا المكان فقد سرقها من حرزها؛ فيستحق القطع عند توافر باقي الشروط وانتفاء الموانع، وذلك أن الناس -في هذه الأيام- جرت عادتهم على هذا الصنيع؛ فهم -مع شحّهم على سياراتهم التي هي من أثمن أموالهم وحرصهم عليها- هكذا يحرزونها؛ فيرجع إلى عادتهم في ذلك.

الحالة الثانية: أن تكون السيارة غير مطفأة المحرك، أو غير مغلقة الأبواب، أو قد ترك مفتاحها فيها أو قريبًا منها؛ فالذي يظهر أن صاحبها في هذه الحالة قد فرّط في حفظها وإحرازها، وهي إن لم تكن محرزة فإنها على الأقل ناقصة الإحراز؛ والنقصان في الحرزية -كما سبق- يمنع من وجوب القطع، ومما يؤيد حصول التفريط أن من حصل منه ذلك فإن الناس ينسبونه إلى التفريط ويلومونه عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت