الصفحة 253 من 431

بعض المدن طويلة، والمساحات شاسعة، مما يحتاج معه إلى الوقوف للراحة ثم متابعة السفر؛ فما هو المعتبر في حرز السيارات في هذه الحالة؟

أقول -وبالله التوفيق- إنه لا يدخل في مسألتنا هذه، ولا حتى في المسائل المتقدمة الاستيلاء على السيارة غصبًا أو مكابرة، وذلك لإجماع العلماء على أنه ليس على الغاصب ولا المكابر قطع، إلا أن يكون قاطع طريق، شاهرًا للسلاح على المسلمين، مخيفًا للسبيل؛ فهذا حكمه حكم المحارب (54) .

والبحث هنا هو فيما إذا أوقف شخص سيارته بجانب الطريق، وهو في سفر؛ فما هو المعتبر في إحرازها، الذي يتحقق معه أن السيارة قد أُخِذت من حرزها؟

الذي يظهر أن إيقاف السيارة بجانب الطريق خارج العمران لا يخلو من حالتين:

الحالة الأولى: أن يكون وقوف السيارة في أماكن مخصصة للوقوف.

كما هو الحال في بعض الطرق الطويلة، حيث تخصص مواقف للوقوف، تجتمع فيها مجموعة من السيارات، والغالب أن سائق السيارة يكون فيها أو قريبًا منها؛ فعندئذٍ تكون السيارة واقفة في حرزها؛ لأنها واقفة في الموقف المعتاد لها في هذه الحالة، وإن لم يلاحظها سائقها، ما دام أنها في مجتمع من السيارات.

الحالة الثانية: أن يكون وقوف السيارة في غير الأماكن المخصصة للوقوف.

فإن الأمر حينئذ لا يخلو كذلك من حالين: إما أن يكون صاحب السيارة فيها أو ملاحظًا لها أو لا!

فإن كان فيها ولو نائمًا، أو ملاحظًا لها فهو حرز لها لجريان العادة بذلك (55) ، وقد نص الفقهاء - كما سبق- على أن الإنسان حرزٌ لما عليه أو معه أو يحرسه وهو يقظان أو نائم، بل نقل عدم الخلاف في ذلك (56) ، ونصوا على أن من سرق بحضرة رب المتاع يقطع (57) .

وإن أوقفها على جانب الطريق وهو ليس فيها ولا قريبًا منها؛ فإنها تكون في هذه الحالة غير محرزة لا بالمكان ولا بالحافظ؛ لأن العادة أن وقوفها في مثل هذا المكان لا يُعدّ إحرازًا لها، وكذلك الحال في السيارات التي توقف خارج العمران، والله _تعالى_ أعلم.

المطلب الثاني: السرقة من السيارة، وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: سرقة قطعة أو جزء من السيارة.

المسألة الثانية: سرقة متاع من السيارة من غير أجزائها.

المسألة الأولى: سرقة قطعة أو جزء من السيارة.

صورة هذه المسألة أن يعمد شخص إلى سيارة فيسرق شيئًا من قطعها أو أجزائها المركبة أو المربوطة فيها؛ فهل يعدّ هذا آخذًا لها من حرزها أم لا؟.

الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أن قطع السيارة المركبة فيها والمشدودة إليها_كالعجلات والأنوار ونحوها _ إحرازها يكون بوضعها مشدودة ومربوطة في أماكنها المخصصة لها (58) ؛ فمن أخذ شيئًا من هذه الأجزاء بأن حلَّها من مكانها المشدودة إليه فهو آخذ لها من حرزها؛ شريطة أن تكون السيارة ذاتها مُحرَزة، فإن كانت السيارة غير محرزة؛ كأن تكون خارج العمران بدون حافظ؛ فإن أجزاءها المركبة فيها تأخذ حكم السيارة نفسها في عدم الإحراز.

والحاصل أن السيارة إذا كانت في حرز معتبر، وأُخِذ جزء من أجزائها من مكانه المشدود إليه، وتحقق من بلوغه النصاب؛ فإنه يتوجه القول بوجوب القطع إذا توافرت باقي الشروط، وانتفت الموانع والشبهات، والله _تعالى_ أعلم.

المسالة الثانية: سرقة متاع من السيارة من غير أجزائها.

صورة هذه المسألة أن يقوم شخص بسرقة متاع من سيارة ما؛ فهل تعد السيارة حرزًا لما فيها أو عليها أو لا؟

بحث الفقهاء -رحمهم الله تعالى- في مسألة الحرز وأحكامه مسألة السرقة من على ظهر الدابة أو الرجل أو السفينة، وذكروا أن ظهر الدابة والرجل حرز لما عليه، وأن السفينة حرز لما فيها (59) .

والذي يظهر أن السيارة كذلك حرز لما فيها أو عليها إذا كانت السيارة نفسها محرَزة، سواء بصاحبها أو بمكانها وكان ما عليها محكمًا مشدودًا عليها.

وأما إذا كانت البضاعة أو المتاع على سيارة نقل مثلًا، معبّأ في جوالقها، واستلها من رصّتها من تحت شدتها المعقودة عليها من حبال، أو جنازير قُطع؛ لأنه حرز مثلها.

وإن سرق السيارة بما عليها من حملها قُطع، وذلك أن السيارة وما عليها محرزة بصاحبها أو قائدها أو تابعها؛ فيقطع سارقها كما لو سرق متاعًا محرزًا به بالبيت (60) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت