الصفحة 45 من 431

: أن المضطر لا طريق له إلى إزالة ضرورته إلا الأكل من هذه الأعيان، وأما التداوي فلا يتعين تناول هذا الخبيث، طريقًا لشفائه، فإن الأدوية أنواع كثيرة، وقد يحصل الشفاء بغير الأدوية كالدعاء، والرقية، وهو أعظم نوعي الدواء. حتى قال بقراط: نسبة طبنا إلى طب أرباب الهياكل، كنسبة طب العجائز إلى طبنا. وقد يحصل الشفاء بغير سبب اختياري، بل بما يجعله الله في الجسم من القوى الطبيعية، ونحو ذلك. الثالث: أن أكل الميتة للمضطر واجب عليه في ظاهر مذهب الأئمة وغيرهم، كما قال مسروق: من اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار، وأما التداوي فليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفة قليلة، كما قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد، بل قد تنازع العلماء: أيهما أفضل: التداوي أم الصبر؟ للحديث الصحيح. حديث ابن عباس: عن الجارية التي كانت تصرع، وسألت النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن يدعو لها، فقال:"إن أحببت أن تصبري ولك الجنة، وإن أحببت دعوت الله أن يشفيك"فقالت: بل أصبر، ولكني أتكشف فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها ألا تتكشف ولأن خلقًا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون، بل فيهم من اختار المرض. كأبي بن كعب، وأبي ذر، ومع هذا فلم ينكر عليهم ترك التداوي. وإذا كان أكل الميتة واجبًا، والتداوي ليس بواجب، لم يجز قياس أحدهما على الآخر، فإن ما كان واجبًا قد يباح فيه ما لا يباح في غير الواجب؛ لكون مصلحة أداء الواجب تغمر مفسدة المحرم، والشارع يعتبر المفاسد والمصالح، فإذا اجتمعا قدم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة؛ ولهذا أباح في الجهاد الواجب ما لم يبحه في غيره، حتى أباح رمي العدو بالمنجنيق، وإن أفضى ذلك إلى قتل النساء والصبيان، وتعمد ذلك يحرم، ونظائر ذلك كثيرة في الشريعة، والله أعلم. (الفتاوى الكبرى 7/ 3)

الثالث: لو سلمنا بجواز التداوي بمحرم جدلًا فإنا لا نسلم بجوازه في الانحراف النفسي، ويلزم من قال بجوازه أن يقول بجواز ارتكاب جميع المحرمات من زنا ولواط وشرب للخمر ومعاقرة للمخدرات إذا كان فيها علاجًا نفسيا، فإن جميع هؤلاء مرضى نفسيون يجد كل منهم راحته ولذته فيما ذهب إليه من الفاحشة، وهذا ما لا يقول به من له نزرة من علم.

وبذا يتبين أن تبديل الجنس ليس تداويًا أو تغييرًا لحالة مرضية، بل هو رضوخ واستجابة للأهواء والنزوات على طريقة من قال: ــ

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت