الصفحة 52 من 431

للجمع بين الصلاتين في المسجدين بإحرام واحد" (36) ."

ومن الأثر: ما روي عن بعض الصحابة منهم علي، وابن مسعود، وعمر - رضي الله عنهم - وغيرهم في تفسير قوله تعالى:"وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ" (البقرة: من الآية196) ، قالوا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك (37) .

واعتُرض على الاستدلال بهذا الأثر: بأن معنى قول الصحابة:"إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك"أي تنشئ لهما سفرًا من بلدك، وليس أن تحرم بهما من أهلك، وبذلك فسره سفيان الثوري والإمام أحمد، ولا يصح أن يفسر بنفس الإحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما أحرموا بهما من بيوتهم، وقد أمرهم الله بإتمام الحج والعمرة، فلو حُمِل قولهم على ذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تاركين لأمر الله، ثم إن هؤلاء الصحابة القائلين بذلك ما كانوا يحرمون إلا من الميقات، أفتراهم يرون ذلك ليس بإتمام للحج والعمرة ويفعلونه؟ هذا لا ينبغي أن يتوهمه أحد، ولذلك أنكر عمر على عمران إحرامه من مصره، وكره أن يتسامع الناس بذلك مخافة أن يؤخذ به، أفتراه كره إتمام العمرة واشتد عليه أن يأخذ الناس بالأفضل! هذا لا يجوز، فيتعين حمل قولهم في ذلك على ما حمله عليه ا لأئمة. والله أعلم (38) .

ومن المعقول: أن الإحرام قبل الميقات أفضل، لأن المشقة فيه أكثر والتعظيم فيه أوفر (39) .

ويمكن أن يُعترض: بأن إرادة المشقة لذاتها في العبادة ليست من مقاصد الشارع، وأن من كمال التعظيم الإتيان بالعبادة كما أرادها الشارع، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لو علم أن في الإحرام قبل الميقات زيادة تعظيم لله لفعله إذ هو أكثر الخلق خشيةً وتعظيمًا لله. والله أعلم.

والذي يترجح لي في ذلك: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الإحرام قبل الميقات جائز مع الكراهة وأن الأفضل الإحرام من الميقات، وذلك لقوة ما استدل به أصحاب هذا القول، ولو لم يكن ثمة دليل على ذلك إلا فعله صلى الله عليه وسلم لكفى به دليلًا، لأنه عليه الصلاة والسلام ما كان يفعل إلا الأفضل، وقد دلت النصوص على أنه ما كان يحرم إلا من الميقات، ومن ذلك ما رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - قال:"ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد"يعني مسجد ذي الحليفة (40) .

وأما أدلة أصحاب القول الثاني فقد سبق بيان ما اعتُرض به عليها من اعتراضات تضعف الاستدلال بها. والله أعلم.

المسألة الثانية: تعجيل الدفع من مزدلفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت