الصفحة 55 من 431

ومستند هذا القول: أن المبيت بالمزدلفة واجب يلزم جميع الحجاج الإتيان به سواء في ذلك الضعفة وغيرهم، غير أنه يجوز للحاج تعجيل الدفع بعد منتصف الليل، ويستوي في ذلك الضعفة وغيرهم، لورود الرخصة في ذلك، كما في حديث عائشة، وأسماء، وابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهم- (61) .

والذي يترجح لي في ذلك: أن مبيت الحاج بالمزدلفة متصل به الوقوف بها بعد الفجر إلى الإسفار وقُبيل طلوع الشمس، واجب من واجبات الحج، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها ووقف في ذلك الوقت، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» (62) ، وترخيصه للضعفة بالدفع من المزدلفة قبل وقت الدفع، يدل على وجوب هذا المبيت والوقوف؛ لأن الرخصة لا تكون إلا في ترك واجب، وفي ذلك رد على من قال: إن المبيت سنة، كما أن فيه ردًا على من قال: إن المبيت والوقوف ركن من أركان الحج، إذا لو كان ركنًا لما رخص النبي صلى الله عليه وسلم لأحد في الدفع قبل دفعه صلى الله عليه وسلم، كما لم يأذن في الدفع من عرفة قبل الوقت الذي دفع فيه صلى الله عليه وسلم.

فإذا ثبت أن المبيت بالمزدلفة والوقوف بها واجب من واجبات الحج؛ فإن وقت هذا الواجب يبدأ بوصول الحاج إلى المزدلفة بعد الإفاضة من عرفة، وينتهي بعد الإسفار وقُبيل طلوع الشمس، لفعله صلى الله عليه وسلم، وعليه فيجب على الحاج الإتيان بهذا الواجب في وقته الذي وقته صلى الله عليه وسلم بفعله، فمن ترك هذا الواجب، أو انصرف منه قبل انتهاء وقته بالإسفار وقُبيل طلوع الشمس وجب عليه فدية لتركه الواجب أو لعدم إتمامه، ويستثنى من ذلك الضعفة كالنساء ومن في حكمهن كالمريض، والمسن، والطفل، ومن هو تابع لهؤلاء كمحرم المرأة والقائم على شؤونهم كالخادم، والسائق، فيجوز لهم تعجيل الدفع من المزدلفة بعد غياب القمر، ولا شيء عليهم، ومعلوم أن غياب القمر في تلك الليلة يكون مع بداية الثلث الأخير من الليل (63) .

يدل على الترخيص لهؤلاء في التعجيل تلك الأحاديث الواردة في رخصة التعجيل، التي سبق ذكرها، أما تحديد وقت جواز التعجيل بغياب القمر فيدل عليه حديث أسماء؛ لأنها إنما كررت السؤال عن مغيب القمر لأنه الوقت الذي أذن النبي صلى الله عليه وسلم فيه للضعفة بالدفع من المزدلفة، ولذلك لما أُخبرت بغياب القمر، قالت: ارتحلوا، ويؤيد ذلك ما رواه ابن جريج (64) عن عطاء: «أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: بعث بي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسحر من جمع في ثقل النبي صلى الله عليه وسلم، قلت: أبلغك أن ابن عباس قال: بعث بي بليل طويل؟ قال: لا، إلا كذلك» (65) . والسائل هو ابن جريج والمجيب هو عطاء، ووقت السحر يكون في الثلث الأخير من الليل، أما من حد جواز التعجيل بنصف الليل فليس له مستند على ذلك، يقول ابن القيم:"والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف الليل، وليس لمن حده بنصف الليل دليل" (66) . والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت