المسألة الثالثة: تعجيل رمي جمرة العقبة يوم النحر
ثبت في صفة حجه صلى الله عليه وسلم أنه دفع من المزدلفة بعد الإسفار وقبيل طلوع الشمس من يوم النحر متوجهًا إلى منى، فقصد جمرة العقبة فرماها بسبع حصيات، وكان رميه لها بعد طلوع الشمس من ذلك اليوم (67) ، وقد أجمع أهل العلم على أن الوقت المستحب لرمي هذه الجمرة هو من لدن طلوع الشمس من يوم النحر حتى الزوال (68) .
أما تعجيل رميها قبل ذلك فاتفق أهل العلم على عدم جوازه قبل منتصف ليلة يوم النحر.
واختلفوا في جوازه فيما بعد منتصف الليل إلى طلوع الشمس على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز تعجيل رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس من يوم النحر. وبه قال مجاهد، والثوري، والنخعي (69) ، وهو مذهب الظاهرية (70) .
القول الثاني: يجوز رمي جمرة العقبة من بعد طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، أما قبل ذلك فلا يجوز، وبه قال إسحاق، وابن المنذر (71) ، وهو مذهب الحنفية (72) ، والمالكية (73) ، ورواية عن الإمام أحمد (74) .
القول الثالث: يجوز رمي جمرة العقبة من بعد منتصف ليلة يوم النحر ولا يجوز قبل ذلك. وبه قال عطاء وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد (75) (76) ، وهو مذهب الشافعية (77) ، والحنابلة (78) .
استدل أصحاب القول الأول على عدم جواز الرمي قبل طلوع الشمس بالسنة الفعلية والقولية:
فالفعلية: أنه صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» (79) .
والقولية: ما رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قدّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أُغيلمة بني عبد المطلب حُمُرات فجعل يُلطِخ أفخاذنا ويقول: «أبَني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» (80) .
ووجه الدلالة: أن هذا فعله صلى الله عليه وسلم الذي بين لنا به أول وقت رمي هذه الجمرة وأنه من بعد طلوع الشمس، وهذا قوله الذي ينهى فيه عن رميها قبل طلوع الشمس؛ فدل ذلك على عدم جواز تعجيل الرمي قبل طلوع ا لشمس.
واستدل أصحاب القول الثاني على جواز الرمي بعد طلوع الفجر بالسنة كذلك وهي: