الصفحة 72 من 431

ولإباحة جلوس المستمع خارج المسجد، قيدان:

القيد الأول: سماع الخطبة من ذلك الموضع الذي يجلس فيه المستمع خارج المسجد؛ لأن وصول الخُطبة إلى المستمع، واستماعه لها واجب (8) ، ولأن المقصود من الخطبة الانتفاع بما فيها من المواعظ ونحوها، وبدون السماع ووصول الصوت إلى المستمع لا يحصل هذا المقصود.

القيد الثاني: اتصال الصفوف أو رؤية بعض المستمعين داخل المسجد، بحيث لا يكون المستمع منفردًا بمكانه خارج المسجد الجامع،؛ لأن عدم اتصال الصفوف في أثناء الخطبة، يدل على عدم الحاجة في وجود المستمع خارج المسجد، ووجوده خارجه والخطيب يخطب بدون حاجة، دليل على عدم اهتمامه بالخطبة، وقلة الحرص على استماعها مع ما ورد في فضيلة الإنصات لها.

كما أنه لابد من اتصال الصفوف إذا أقيمت الصلاة، وإذا كان المستمع خارج المسجد في أثناء الخُطبة مع وجود فراغ داخل المسجد، فقد يتعذر الاتصال والمراصة بين الصفوف عند الصلاة.

قال في المعيار المعرب:"وسئل (9) عن الإمام يصعد المنبر يوم الجمعة، وليس بالمسجد غير ستة رجال أو نحوها، وسائر أهل القرية برحاب المسجد ينتظرون إقامة الصلاة، وحينئذٍ يدخلون المسجد على عادة البادية، فهل تصح خطبة الإمام لأولئك النفر اليسير أم لا؟ فأجاب: ما يفعل هؤلاء القوم جهل عظيم، يجب أن يؤمروا بالدخول للمسجد لحضور الخطبة، لكن الجمعة صحيحة إذا كانوا عند الباب" (10) .

ويدل على صحة الاستماع خارج المسجد دون رؤية الخطيب: القياس على الصلاة، حيث تصح صلاة المأموم خارج المسجد، إذا اتصلت الصفوف (11) ، دون رؤية الإمام، قال شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله:"صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائل، فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة" (12) ، فكذلك المستمع، يجوز له الجلوس والاستماع خارج المسجد، ولو لم يرَ الخطيب، ولا شيء فيه إذا كانت صفوف المستمعين متصلة ببعض، وهذا لا أعلم فيه خلافًا بين الفقهاء، بناء على صحة صلاة المأموم خارج المسجد، مع اتصال الصفوف، ولم يدل على وجوب رؤية الخطيب في أثناء الخطبة دليل.

هذا إذا كانت صفوف المستمعين متصلة، أما إذا لم تكن الصفوف متصلة، ولم يكن هناك حاجة في وجود المستمع خارج المسجد، وإنما اكتفى بسماع صوت الخطيب من خلال مكبرات الصوت، فإن جلوس المستمع خارج الجامع دون رؤية الخطيب مكروه في هذه الحالة؛ لأن"في هذا من مخالفة الهدي النبوي وسيرة الصحابة والأئمة _رضي الله عنهم_ ما لا يخفى، وهب أن القدوة صحيحة، ولكن هل بهذا أمرت السنة النبوية؟ فأين لحوق الصف الأول؟ وأين التراص في الصفوف؟ وأين القرب من الخطيب؟" (13) .

وإذا أضيف إلى ذلك عدم سماع صوت الخطيب؛ لبعده عنه وكونه خارج الجامع فإنه لا يسلم من الإثم؛ لأنه قد فرَّط بعدم دخوله المسجد مع إمكانه، ويخشى أن تكون جمعته لغو؛ لأنه إذا كان من تكلم بالأمر بالمعروف بقوله: أنصت، تلغو جمعته، مع حضوره الخطبة، فما الظن بمن تعمد ترك استماع الخطبة بالكلية.

المسألة الثالثة: الاستماع عبر الوسائل الحديثة:

المقصود بالوسائل الحديثة ما يمكن توصيل الخطبة به إلى المستمعين الذين لا يمكن لهم الاستماع إلى الخطبة بدونها، إما لكبر المسجد وبعد المستمع عن الخطيب، أو لضعف صوت الخطيب، وتشمل وسائل الإعلام الحديثة: كالمذياع والتلفاز، كما تشمل أجهزة توصيل وتكبير الصوت كالسماعات والميكرفونات ونحوها.

وهي في استخدامها تنقسم قسمين:

القسم الأول: ما كان الخطيب فيه داخل المسجد الذي يوجد فيه المستمعون، والمستمعون سيصلون في ذلك المسجد مع ذلك الخطيب.

وهو ما كان المقصود منه: تكبير الصوت وتضخيمه وإيصاله لمن لا يسمعه، وهو مكبرات الصوت وأجهزة تقويته، فهذه لا بأس بها في الخطبة (14) ، بل هي مستحبة؛ لأن رفع الصوت بالخطبة مستحب، وما أدى إلى مستحب فهو مستحب أيضًا، وقد تكون لازمة في الجوامع الكبيرة، التي لا يمكن وصول صوت الخطيب فيها إلى جميع المستمعين إلا بتلك المكبرات، وقد جرى على هذا العمل في المملكة العربية السعودية، منذ وجود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت