تلك الأجهزة، ولا تخلو المساجد منها اليوم.
القسم الثاني: ما كان الخطيب فيه خارج ذلك المسجد الذي يوجد فيه المستمعون، كأن يكون في مسجد آخر أو في مكان منعزل.
ويمكن ذلك عن طريق أجهزة المذياع والتلفاز (15) ، والاستماع خلف هذه الوسائل لا يجعل الشخص مستمعًا خلف ذلك الخطيب، بمعنى لا تندرج عليه أحكام المستمع من وجوب الإنصات وتحريم الكلام والبيع والشراء والصلاة النافلة ونحو ذلك، ولا تكون له جمعة بذلك.
قال حسنين مخلوف -رحمه الله:"لا تصح صلاة الجمعة ... بدون إمام ولا خطبة، ولا يكفي في ذلك سماع الخطبة وحركات الإمام من المذياع" (16) .
ويدل لذلك ما يلي:
الدليل الأول: القياس على الصلاة، فإن الصلاة جماعة خلف ما ذكر ليست بصحيحة، فكذلك استماع الخطبة عبر تلك الوسائل دون رؤية الخطيب، لا يجعل الشخص مستمعًا بذلك، ولا تصح له جمعة به، قال الشيخ ابن عثيمين - حفظه الله:"وأما الصلاة خلف المذياع والتلفزيون فإنها لا تصح؛ لعدم الاتحاد في المكان، وللتباعد العظيم بين الإمام والمأموم؛ ولأن في ذلك عرضة لفساد الصلاة، إذ قد ينقطع التيار الكهربائي، فلا يسمع صوتًا ولا يرى شخصًا" (17) .
الدليل الثاني: أنه يُشترط في صحة الخطبة أن يكون الخطيب داخل المسجد الذي تقام فيه الجمعة، ولا تصح الخطبة إذا كان الخطيب في رحبة المسجد أو في الطرق المتصلة به، فمن باب أولى لا يصح إذا كان الخطيب يذيع خطبته من غير مكان الاجتماع (18) .
الدليل الثالث: أن الأصل في شرعية الجمعة استقلال أهل كل مسجد بإقامتها كما كانت تقام في عهد المصطفى _صلى الله عليه وسلم_ والخلفاء الراشدين، فلا بد لكل جامع من خطيب وجماعة حاضرين ومستمعين، كما جرى عليه العمل عند المسلمين (19) .
فإجازة استماع الخطبة من خلال التلفاز أو المذياع محدث في الدين، وكل أمر محدث فهو مردود على صاحبه غير مقبول منه، لما جاء في حديث عائشة _رضي الله عنها_، قالت: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" (20) .
الدليل الرابع: أن النصوص قد جاءت بفضل التبكير إلى الجوامع، والقرب من الخطيب، وفضل الاغتسال والتطيب والسواك، والمشي إلى المسجد وكثرة الخطى إليه، وعدم التفريق بين الاثنين، أو تخطي رقاب الناس، ووجوب الاستماع والإنصات للخطيب في أثناء الخطبة، وغير ذلك مما رتب عليه الشارع رفعة الدرجات وحط الخطيئات في يوم الجمعة، وهذا ما يؤكد فعل الجمعة في جماعة المسلمين في المساجد، وأن إقامتها فيها شعيرة من شعائر الدين الظاهرة.
وبجعل الاستماع والإنصات جائزًا عبر المذياع ونحوه تفويت لذلك، وتلاعب بفرائض الدين، بل وهدم لها.
لتحميل المادة: http://www.almoslim.net/documents/aljelayel_tatafakroon.pdf
(1) دل لاستحباب القرب من الإمام عدد من الأحاديث منها: حديث أبي هريرة t، أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال:"لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا،"