فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 181

ولَكَثْرُ ما تحمَّل العظماءُ مشاقَّ التكلف، لما يثقل عليهم التظاهر به؛ مجاراةً لأوهام التُّبَّاع أولي المدارك البسيطة؛ حذرًا من أن ينظروا إليهم بعين الغضاضة، أو يلاقوهم بمعاملة الفضاضة.

فهم يقتحمون ذلك الثقل، ولسان حالهم يقول: =مكره أخوك لا بطل+ فلا غرو أن كان المتوسمون منذ القدم تقوم لهم من صفات مجالسِ السَّراة والجماعات دلائلُ منبئةٌ بأحوال أصحاب تلك المجالس كما قال:

ولما أن رأيت بني جُوَيْن ... جلوسًا ليس بينهم جليس

يئست من التي قد جئت أبغي ... إليهم إنني رجل يؤوس

وإننا إذا تتبعنا ما يعد من هيئات المجالس أحوال كمالٍ حقًَّا أو وهمًا نجد منها المتضاد الذي إن اشتمل المجلس على شيء منه لم يشتمل على ضده، مثل الحجاب والإذن، والوقار والهزل، ونجد بعضها غير متضاد بحيث يمكن اجتماعه كوضع الأرائك والطنافس النفيسة مع التزام الوقار والحكمة، وكالفخامة والزركشة مع إقامة الإنصاف؛ فقد كان مجلس سليمان _عليه السلام_ مكسوًَّا بفخامة الملك، وهو مع ذلك منبع لآثار النبوة والحكمة، وكانت مدرسة أفلاطون الحكيم محفوفة بمظاهر الرفاهية والترف وهي مناخ كل أستاذ حكيم.

فأما الأوصافُ المتضادةُ فلا شبهةَ في كون مجالسِ العظماء حقًّا تُنَزَّه عما يضاد الحق منها، وأما غير المتضادة فلا يُعد تجردُ مجلسِ العظيمِ عما هو من هذا الصنف مهمًَّا إلا زيادةً في عظمته، وليس ذلك بلازم في تحقق أصل عظمته الحقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت