ومن ذا يجهل أن محمدًا"قد أفاض على العالم حكمة وهداية وإصلاحًا، وما الحسام الذي يأمر بانتضائه إلا كمبضع طبيب ناصح يشرط به جسم العليل؛ لينزف دمه الفاسد حرصًا على صحته وسلامته."
ومن تقصى السيرة النبوية وجد فيها ما يصدق قول عائشة _رضي الله عنها_: =ما انتقم رسول الله"لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله+."
فمحمد _ عليه الصلاة والسلام _ لم يقاتل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون حرصًا على حياته، وإنما كان يقاتلهم حرصًا على حياة الفضيلة، وظهور الحق، وإقامة نظم المدنية المهذبة، ولكن الناشئين على اللهو واتباع الشهوات لا يفقهون.
إن سيرة تُبْهر العيون سناءًا، وتُطْرِق لها القلوبُ مهابةً لا يبلغ اللسان من وصفها إلا مقدارَ ما يبلغه واصف الشمس وهو لا يعرف منها سوى أنها كوكب ينسخ طلوعه سواد الليل.
وإني أخص كلمتي بخصلة خطيرة هي من أول ما يتوقف عليه النجاح في الدعوة، وهي شجاعته _ عليه الصلاة والسلام _ فقد كان المثل الأعلى في رباطة الجأش، واستقبال الخطوب بجبين طلق، وعزم لا يلتوي.
ولاحت نجوم للثريا كأنها ... جبين رسول الله إذ شاهد الزحفا
كان"يتقدم في الحرب حتى يكون موقفه أقرب موقف من العدو، وإذا اتقدت جمرة الحرب واشتد لهبها آوى إليه الناس واحتموا بظله الشريف."
قال الإمام علي ÷: =إنا كنا إذا حمى البأس، واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله"+."
وقال: =ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي"وهو أقربنا إلى العدو+."
(1) مجلة الهداية الإسلامية الجزءان الحادي عشر والثاني عشر من المجلد الثالث الصادران في ربيع الثاني وجمادى الأولى 1350، وانظر محمد رسول الله وخاتم النبيين للشيخ محمد الخضر، إعداد علي الرضا الحسيني، 105_107.